فقال له : أنت ابن الرضي حقّا
، وأخذه معه وأحسن إليه ، وبالغ في إكرامه ، فلم يزل مشفقا به لمّا ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنّه ، وعزم على تزويجه بابنته امّ الفضل وصمّم على ذلك ، فمنعه العبّاسيّون من ذلك خوفا من أن يعهد إليه ، كما عهد إلى أبيه [ 1 ] .
فلمّا ذكر لهم أنّه إنّما اختاره لتميزه على كافّة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنّه ، فنازعوا في اتّصاف محمّد عليه السّلام بذلك ، ثمّ تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره ، فأرسلوا إليه يحيى بن أكثم ، ووعدوه بشيء كثير إن قطع لهم محمّدا عليه السّلام ،
فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواصّ الدولة ، فأمر المأمون بفرش حسن لمحمّد عليه السّلام ، فجلس عليه ، فسأله يحيى مسائل أجابه عنها بأحسن جواب وأوضحه .
فقال له الخليفة : أحسنت أبا جعفر ! فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة .
فقال له : ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أوّل النهار حراما ، ثمّ حلّت له ارتفاعه ، ثمّ حرمت عليه عند الظهر ، ثمّ حلّت له عند العصر ، ثمّ حرمت عليه المغرب ، ثمّ حلت له العشاء ، ثمّ حرمت عليه نصف الليل ، ثمّ حلّت له الفجر ؟
فقال يحيى : لا أدري .
فقال له محمّد عليه السّلام : هي أمة نظرها أجنبي بشهوة وهي حرام ، ثمّ اشتراها ارتفاع النهار ، فأعتقها الظهر ، وتزوّجها العصر ، وظاهر منها المغرب ، وكفّر العشاء ، وطلّقها رجعيّا نصف الليل ، وراجعها الفجر .
فعند ذلك قال المأمون للعبّاسيين : قد عرفتم ما كنتم تنكرون .
هامش
[ 1 ] الفصول المهمّة : 266 - 267 ، نور الأبصار : 177 ، ينابيع المودّة : 438 .