وثالثها : ايجاده بدون الاعتقاد بمدلوله .
ولا يلزم من كذب الكلام اللفظي الكذب في الكلام النفسي الّذي هو الصفة القائمة بالذات إلّا في الصورة الثالثة لا في الصورتين الأوليين ، لأنّه إذا اعتقد المتكلّم مدلول كلامه اللفظي الّذي ألقاه إلى المخاطب وكان اللفظي الدالّ كاذبا لزم كون المتكلّم معتقدا لخلاف الواقع ، وأمّا إذا لم يقصد المتكلّم القاء المعنى أو قصد ولم يعتقد مدلوله فلا يلزم من كذبه اعتقاد المتكلّم لخلاف الواقع ، فلا يلزم النقص في الصفة بمجرّد خلق الحروف والكلمات الدالّة على المعاني الكاذبة في الأجسام .
وأنت خبير بأنّ الصورة الأولى لا يتصوّر بالنسبة إلى جنابه - سبحانه - ، لأنّه - تعالى - عالم بجميع الأشياء بحيث لا يعزب عن علمه شيء أصلا .
قيل : والصورة الثانية أيضا مندفعة بأنّ كلّ كلام لفظي فله مدلول ، فإن كان مدلوله / 224
DB
/ مطابقا للواقع كان صادقا - سواء كان المتكلّم اعتقد بمدلوله أم لا ، وسواء كان اعتقد بنقيضه أم لا - ؛ وبالجملة لا دخل لاعتقاد المتكلّم في صدقه وكذبه ؛ وإن لم يكن مدلوله مطابقا للواقع كان كاذبا - سواء كان المتكلّم اعتقد بمدلوله أم لا ، وسواء كان اعتقد بنقيضه أم لا - . ولمّا كان الكلام النفسي عندهم مدلول الكلام اللفظي فذلك المدلول إن كان مطابقا للواقع كان الدالّ عليه صادقا ، وإن لم يكن مطابقا للواقع كان الدالّ عليه كاذبا ، فلا يتصوّر أن ينفكّ صدق / 223
MA
/ أحدهما عن صدق الآخر وكذب أحدهما عن كذب الآخر ، لأنّ صدق الكلام اللفظي وكذبه تابع لصدق الكلام النفسي وكذبه ؛ انتهى .
وفيه : إنّ كلّا من صدق الكلام اللفظي وكذبه وإن كان منوطا بمطابقته للواقع وعدمه ولم تكن لاعتقاد المتكلّم وعدمه مدخلية في ذلك - على ما هو الحقّ - إلّا أنّ المتكلّم إذا لم يعتقد مدلول هذا الكلام اللفظي وكان غير مطابق للواقع لم يكن المتكلّم معتقدا لما هو خلاف الواقع ، فلا يلزم نقص في صفته وإن كان هذا الكلام كاذبا ؛ بخلاف ما لو اعتقد مدلوله وكان كاذبا ، فانّه يلزم حينئذ اعتقاده بخلاف الواقع ، فيلزم النقص في صفته . فالواجب - سبحانه - إذا صدر منه كلام لفظي كاذب علم خلافه ولم يتعلّق