تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
التكلّم ، فالمتكلم من قام به الكلام بمعنى التكلّم لا بمعنى ما به التكلّم ، فانّ ما به التكلّم باعتبار الوجود العيني انّما قام بالهواء لا بالمتكلّم ، بل انّما قام بالمتكلّم ايجاد ما به التكلّم والقائه إلى المخاطب لا عدم الغير ، وهو - أعني : ايجاد الكلام بقصد الإفادة والاعلام - هو التكلّم . فمراد من قال : « إنّ المتكلّم أوجد الكلام » : إنّ المتكلّم أوجد الكلام على قصد الإفادة والاعلام ، فلا يرد أنّه على زعم الأشاعرة موجد كلام العباد - بل كلّ افعالهم - هو اللّه ، فيلزم أن يكون هو - سبحانه - متكلّما باعتبار خلق كلامهم ، ولا شك أنّه لا يطلق عليه - تعالى - المتكلّم بهذا الاعتبار ؛ وذلك لانّه ليس خلق / 208
DB
/ كلام العباد منه - تعالى - لقصد الإفادة والاعلام من جانبه - تعالى - مع أنّ هذا معتبر في إطلاق المتكلّم على خالق الكلام . وما ذكروه من أنّ موجد الحركة في جسم آخر لا يسمّى متحرّكا ، ففيه : انّ المتحرّك ما قام به التحرّك ، لا ما قام به التحريك ، ولهذا لا يسمّى موجد الحركة في جسم آخر متحرّكا . والحاصل : أنّ المتكلّم من قام به التكلّم الّذي هو مبدأ اشتقاق الصيغة ومعناه خلق الكلام ، فلا شكّ في أنّه صادق على موجد الكلام ؛ والمتحرّك ما قام به التحرّك ، ومعناه الحركة لا خلق الحركة ؛ فقياس المتكلّم على المتحرّك خطاء وإن كان كلاهما مشتركين في قيام مبدأ اشتقاق الصيغة بالفاعل ، إلّا أنّ مبدأ اشتقاق المتكلّم - أي : التكلّم - معناه على زعم المعتزلة خلق الكلام في الهواء ومبدأ اشتقاق المتحرّك - أي : التحرّك - هو الاتصاف بالحركة ، وكلا المبدءين قائمان بالفاعل المتصف بذلك المشتقّ . وما ذكروه من أنّا إذا سمعنا قائلا يقول : أنا قائم نسمّيه المتكلّم وإن قلنا أنّ موجده هو اللّه - سبحانه - ، ففيه : إنّ الايجاد المأخوذ في تعريف التكلّم - كما تقدّم - هو الإلقاء على قصد الاعلام سواء كان ايجادا حقيقيا أو لا ، ففي الصورة المذكورة الملقي هو المتكلّم ، فانّه يقصد الاعلام بإلقاء الكلام وإلّا كان موجد الكلام هو اللّه - سبحانه - . نعم ! ، لو أوجد اللّه الكلام في العباد بقصد الاعلام من جانبه - تعالى كما في الشجرة أو لسان الملك - لكان ذلك كلاما له - تعالى - وكان هو المتكلّم دون الشجرة والملك ، وهو مسلّم