تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
في ثبوت الاجماع وقيام الأدلّة السمعية على كونه - تعالى - سميعا بصيرا ، فليعوّل على الاجماع في هذه المسألة بل على الأدلّة السمعية القطعية ابتداء ، لأنّ الظواهر الدالّة على السمع والبصر أقوى من الظواهر الدالّة على حجية الاجماع ، إذ يتّجه على هذه اعتراضات كثيرة احتاجوا إلى دفعها ؛ وإن أثبتنا حجية الاجماع بالعلم الضروري من الدّين ، فذلك العلم الضروري ثابت في المسألة الّتي نحن فيها سواء بسواء . وحاصل هذا الايراد أنّ الحياة في الواجب يجوز أن يغاير الحياة في الحيوان ، بل الحقّ تغايرهما ، لأنّ الحياة في الحيوان ما يصحّ لأجله الحسّ والحركة وفي الواجب ما يصحّ لأجله العلم والقدرة ، فكما أنّ حياة الحيوان تقتضي الحركة وحياة الواجب لا تقتضيها فكذلك يجوز أن تقتضي السمع والبصر وحياة الواجب لا تقتضيهما . نعم ! ، من ارجع السمع والبصر إلى العلم - كما اخترناه - يمكن أن يستدلّ بمثل هذا الدليل بأن يقول : لمّا كان معنى الحيّ في الواجب هو الدرّاك الفعّال كان لا محالة سميعا بصيرا بمعنى أنّه - تعالى - مدرك لجميع المسموعات والمبصرات بالعلم الحضوري ، فانّ كمال الحياة - لا سيّما كونها مع كمال التجرد - تقتضي ادراك المسموعات والمبصرات بل ادراك المحسوسات ، ولا خفاء في تحقّق كمال الحياة مع كمال التجرد فيه - تعالى - . وبهذا ثبت أنّه - تعالى - سميع بصير مدرك بالمعنى المذكور . وعلى هذا فما قيل : « إنّ طريق اثبات السمع والبصر ليس إلّا بالشرع والعقل لا يدلّ عليه » يكون المراد منه : إنّ استعمال ألفاظ الادراك والسمع والبصر في صفاته - تعالى - يكون بالسمع ، وامّا اثبات معانيها المذكورة - أعني : كونه تعالى عالما بالمسموعات والمبصرات ، بل بجميع المحسوسات - يكون بالعقل أيضا . وغير خفيّ أنّ الايراد المذكور على الاستدلال المذكور لاثبات السمع والبصر بمعناهما الخاصّ البديهي المغاير للعلم الحضوري متّجه ، إذ مجرّد الحياة لا يقتضي صحّة ذلك . على أنّ المحقّق الطوسي قال في نقد المحصل : « إنّ قولهم الحيّ يصحّ اتصافه بالسمع والبصر ليس بمطّرد ، لأنّ أكثر الهوامّ والسمك لا سمع له والعقرب والخلد لا بصر لهما والديدان لا سمع لها ولا بصر ، فلو لم يمتنع اتصاف تلك الأنواع بالسمع والبصر لما خلا جميع