تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ولا برّ . ثمّ إنّ الحكماء كما قالوا إنّ الواجب - تعالى - غاية بالمعنى المذكور قالوا إنّه - تعالى - غاية بمعنى أنّ جميع الأشياء في حركاتها وأفاعيلها طالبة للتشبه به ، ولكلّ منها عشق وشوق إليه اراديا كان أو طبيعيا ؛ ولذا حكم الإلهيون بسريان العشق والشعور في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتهم ؛ وحكم الشيخ في التعليقات بأنّ القوى الأرضية كالنفوس الفلكية في أنّ الغاية في أفاعيلها ما فوقها - إذ هي لا يحرّك المادّة ليحصل ما تحتها من المزاج وغيره وإن كانت هذه من التوابع اللازمة - ، بل الغاية لفعل كلّ منها تحصيل الكمال الّذي يتصوّر في حقّه واستكماله بما فوقه وتشبّهه به إلى أن تنتهي سلسلة الاستكمالات والتشبّهات إلى الغاية الأخيرة والكمال الأقصى - أعني : الواجب سبحانه - . ومن هنا يظهر سرّ كلامهم : لولا عشق العالي لانطمس السافل . فان قيل : كيف يكون ذات الواجب باعتبار علمه بنظام الخير غاية وغرضا له - تعالى - في الايجاد عند الحكماء مع أنّهم صرّحوا بأنّ العلّة الغائية ما يقتضي فاعلية الفاعل ، فيلزم أن يكون ذاته - تعالى - علّة لذاته ! ؛ قلت : / 197
MA
/ أجابوا عنه : بأنّ المراد من الاقتضاء والاستلزام مطلق عدم الانفكاك سواء كان مع التغاير بين العلّة الغائية والفاعلية أم لا ، فاقتضاء العلّة الغائية هنا - أعني : ذاته تعالى - لفاعليته - سبحانه - بمعنى عدم انفكاك ذاته عن فاعليته وإن لم يتحقّق التغاير ولم يقم ضرورة ولا برهان على أنّ الفاعل المختار لشيء والغاية له يجب أن يكونا متغايرين في الحقيقة ، بل ربما يكونان متحدين في الحقيقة ، فانّ الفاعل هو ما يفيد الوجود والغاية هي ما يفاد لأجله الوجود - سواء كانت نفس الفاعل أو أعلى منه - . ولو كانت الغاية قائمة بذاتها وكانت بحيث يصدر عنها أمر لكانت فاعلا وغاية معا ، فذات الواجب علّة فاعلية من حيث إنّه يفيد وجودات الأشياء وعلّة غائية لها من حيث أنّ افادته وجودها لأجل ذاته من حيث علمه بنظام الخير . فان قيل : الحكماء صرّحوا بانّ الغاية متقدّمة على الفعل بحسب المشيئة والتعقّل و