تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
احتياجه - تعالى - في صفة كمالي إلى غيره ، واتصافه بالكمال بعد ما لم يكن وإن كان الأمر في الواقع ونفس الأمر كذلك . أي : كلّ موجود ، فهو مع ما يكون فيه من الصور حاضر عنده - تعالى - وظاهر لديه . ومنه يظهر علمه التفصيلي - على التفصيل المذكور - . الّا انّه لا يجب البتّة اثبات تلك المراتب لتصحيح علمه - تعالى - ، بل هو عالم بالجميع على التفصيل - قبل وجود هذه المراتب وبعد وجودها - على نحو واحد من غير لزوم تفاوت بالخفاء والوضوح . على انّ علمه الكمالي بزعمهم ليس إلّا علمه الاجمالي ، فأيّ حاجة باعتقادهم إلى اثبات مراتب العلم التفصيلي ، فوجوب عدم انفكاكه - تعالى - عن العلم بالأشياء في جميع المراتب ممنوع ، لكن لا يلزم منه اثبات تلك المراتب ؛ بل علمه الاجمالي ثابت في جميع المراتب ، وهو يكفي بزعمهم . اللّهم إلّا أن يقال : انّ اثباتهم تلك المراتب ليس لتصحيح علمه ، بل انّما هو لثبوتها في نفس الأمر ، فانّهم بعد ما اثبتوا العلم الكمالي الاجمالي - لما اقتضت الادلّة تحقّق تلك المراتب - لزمهم التصريح بثبوتها وبعالميته - تعالى - بها على النحو المذكور . وامّا ثانيا : فلانّه لو تمّ ما ذكره لزم اثبات مراتب غير متناهية لعلمه - تعالى - ، ولا وجه للتخصيص بأربع ، إذ الحوادث غير متناهية ويجب علمه - تعالى - بكلّ منها في مرتبة وجود علّته ، فيلزم اثبات مراتب غير متناهية لعلمه - تعالى - . ثمّ ما ذكروه من انّ وجودات تلك العلل علوم تفصيلية له - تعالى - بذواتها وعلم اجمالي بسائر الأشياء كما انّ وجوده - تعالى - علم تفصيلي له بذاته وعلم اجمالي بمعلولاته يدلّ على انّ تلك العلل بمنزلة المجمل لسائر الأشياء وذواتها علوم بالأشياء - كما في الواجب بعينه - ، وهو مبني على كون صفات العقول عينا لذواتها - كما نسب إلى الحكماء - . ولو قيل بزيادتها لكانت صورا لأشياء المرتسمة فيها علوما تفصيلية لها لا اجمالية . ويمكن أن يقال في توجيه كلام من صرّح بأنّ تلك المرتبة علم اجمالي لسائر الأشياء على تقدير زيادة صفات العقول : بأنّ مراده انّ تلك المرتبة علم تفصيلي بذوات تلك العلل بحضورها بذواتها ، واجمالي بالنسبة إلى باقي الموجودات . لانّ صور الجميع مكوّنة فيها ، لا لانّ وجودها علم اجمالي بها وكون تلك المرتبة اجمالية حينئذ بالنسبة إلى المرتبة الّتي
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 183 | ملا محمد مهدي النراقي