شرائطها الإيمان من الحلّ والحرمة والتوارث ، ثم العبادات دليل يبيّن أن الإيمان وما به يصير المرء مؤمنا ويستوجب أحكامه ليس هو كل ما يبقى أنواع الفسوق والعصيان ، ولا قوة إلّا باللّه .
وعلى ذلك معنى أمر هذه الأمة في تعاهد الصلوات في الجماعات والصيام وإخراج الزكوات على ما هم عليه من الاختلاف في هتك الحرمات والانهماك في المعاصي ، ثبت بالذي عليه الأمة عدول المعتزلة والخوارج عن الحق ، ولا قوة إلّا باللّه .
ثم نذكر ما ذكر الكعبي فيما احتج عليه من القرآن بالحيل المستبعدة ؛ ليصرف عن نفسه واتباعه اسم الإيمان ويوجب الإياس عن رحمة اللّه والاختيار لعداوته بكبيرة كأنه به يحصل على نفع في الدنيا وحمد في الدين ، ولا قوة إلّا باللّه .
فقال لمن احتج عليه بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً
[ التحريم :
8 ] ، والتوبة لا تكون إلا عن ذنب بوجهين : أحدهما أن التوبة عن الصغيرة وإن كانت مغفورة ، والثاني على التعبد كتكرار التهليل وكدعاء الملائكة بقوله :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا
[ غافر : 7 ] .
نقول له : الوجه الأول دلّ على جهله بمعنى التوبة ، إذ هي الرجوع والندم ، ومحال ذلك عما ليس عليه ، وهو مغفور له لا يجوز عليه التعذيب ، والثاني إن حق اللّه عليه إذا غفر له الحمد له والشكر على العفو ، وفي التوبة كفران ذلك ، لأنه يوهم بقاءه بالتوبة ، والثالث أنه قال :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ التحريم : 8 ] ، فجعله موقوفا على ما يكفره بالتوبة ، ثبت أن الذنب باق وهو لم يزل مستحقا اسم الإيمان ، واللّه أعلم .
والتسهيل له في كل وقت حكم التحديد ؛ لأن حقيقة الأفعال أن لا يبقى والتوبة يكون عن ذنب ، ولا ذنب .
وبعد ، فإنه يجوز الأمر بالتهليل على التعبد ولا يجوز بالتوبة والاستغفار عن ذنب مغفور ؛ لما فيه إيهام أنه ليس بمغفور ، وذلك كفران النعم ، وغير جائز ذلك ، كما لا يجوز الدعاء بأن لا يجوز ولا يظلم ، ودعاء الملائكة ؛ لما قد يكون لمن ذكر ذنوبا غير مغفورة ، فإلى ذلك ينصرف الدعاء ، ولا قوة إلّا باللّه .
ثم قال في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ] إلا أن ذا يكون فيما لم يكن فعله كمن يرى آخر يدعوه بعض الغواة إلى أمر قبيح فيقول على سبيل النهي : لم تفعل يا أخي ما ينقص دينك ويوجب عليك سخط ربك ، لا أنه فعله ، لكن لئلا يفعله .