الدين كالرسل ثم الأئمة ثم العلماء ثم المؤمنين ، وعلى ذلك لازم الأمران جميعا في الدين ، ارتكبوا الكبائر على قدر ما أوتوا من الحسنات ، والمقت بما أوتوا من السيئات ، فمن رام دفع ما جاء به من الخيرات بسيئات لسن بأضداد لهن فهو جائر في الحكم ، ولا قوة إلّا باللّه .
ثم احتج بالآية التي فيها
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
[ التحريم :
8 ] ، في صاحب الكبيرة إنه لو كان مؤمنا لكان لا يعذب ولا يوعد عليه . والآية ترجع إلى وجوه : أحدها أن لا يجزيه عن شفاعة رسول اللّه ، بل يشفعه فيه وينجيه بها .
والثاني أن يكون ذلك عندما يقول لهم : تواهنوا مظالمكم وعلى معذرتكم ،
والثالث أن يكون لا يجزيهم خزي الكفرة من الخلود في النار ؛ إذ هو أنواع كما قال اللّه تعالى :
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
[ الغاشية : 6 ] ، وقال في موضع :
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
[ الحاقة : 35 - 36 ] ، على اختلاف الدركات ، فمثله على اختلاف الأوقات ، ويحتمل لا يجزى أي لا يفضح فيهتك ستره ، وذلك كذلك في كل مؤمن .
ثم الذي ينقض على المعتزلة ابتداء الآية وهو قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
[ التحريم : 8 ] ، ألزمهم التوبة وجعلها شرطا للمغفرة ، على إبقاء اسم الإيمان لهم ، والصغائر مغفورة باجتناب الكبائر على قولهم ، ثبت أن الآية في أصحاب الكبائر ، قد بقي لهم اسم الايمان ، ولا قوة إلّا باللّه .
والدليل على أن اسم الإيمان لا يزول بزوال العدالة قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ المائدة :
106 ] ، ولو كان كل مؤمن عدلا لكان يقول : " اثنان منكم " ؛ إذ كان ابتداء الآية في مخاطبة المؤمنين ثبت أن قد يكون مؤمنا عدلا وغير عدل . وقال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ
[ البقرة : 282 ] ، إلى قوله :
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
[ البقرة : 282 ] ، فلو كان كل مؤمن مرضيا لم يكن للشرط فائدة . وكذلك قوله :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق : 2 ] ثبت أن المؤمن يكون عدلا وغير عدل ، وكذلك قوله :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] ثبت أنه قد يكون منهم رشيد وغير رشيد . ولو كان كل مؤمن عدلا ، وكل من ليس بعدل ليس بمؤمن لكان لا شهادة تردّ بالفسق بعد الامتحان ولا يجوز السؤال عن الأحوال ليعلم بها العدالة والفسق ، بل على المكان الذي يسأل عما عليه من الإيمان في ذلك ويمكنه الوفاء ، فيجب قبول شهادته بلا سؤال عنه ولا اعتبار بأحواله ، وفي إجماع الأمة على الفحص عن الأحوال وترك النزول على ما يظهر من الأموال التي يكتفي بها فيما كان