يعلم صدقه في الأول . وإن تعدى من بعده فيصير صاحب هذا القول عند اللّه وعند من شهد عليه بالكذب كاذبا ، فيستوجب به من كل أحد القضاء عليه بالكفر في قوله الذي يريد به تثبيت كفر غيره ، ولا قوة إلّا باللّه .
وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
[ النساء : 137 ] ، ولو كان في ذلك ما ذكر لم يكن ليثبت لهم إيمان أبدا ، فثبت به فساد قولهم . فهذا في الكفر ، فكيف فيما دونه ، ولا قوة إلّا باللّه .
وعلى ذلك اختلاف الأحوال في الخلق لا يوجب فساد مضاداتها في غير تلك الأحوال ، وباللّه التوفيق .
وهذا أيضا يلزم المعتزلة في الكبائر ، ثم العجب من هؤلاء يثبتون لأصحاب الكبائر اسم أهل الصلاة والقبلة ، وسبب إثبات هذا الاسم لهم الإيمان ، فمحال زواله على بقاء ذلك ، وما به ثبت قد زال ، واللّه أعلم .
وقد روى في الآية القراءة على أن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه ، وإن كان المعروف ذلك فإنه قد يجوز إرادة الآحاد بحرف الجمع ، فلا ننكر أن تكون الآية على ذلك ، يبين ذلك [ قوله تعالى ] :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ
[ المائدة : 5 ] ، وقوله :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً
[ آل عمران : 85 ] ، وقوله :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
[ البقرة : 217 ] ، وعلى ذلك تأويل قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ النساء : 48 ] ، ثم قال :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] ، كما قال في هذا :
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ الأنفال : 29 ] ، فيكون الإتيان بحكم واحد ، ومعلوم أن لا درك للمعتزلة والخوارج في أحدهما ، فكذلك في الأخرى . ثم الأصل أن قوله :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ النساء : 31 ] على قول الخوارج كأنه قال : إن تجتنبوا الكفر والشرك ، وعلى قول المعتزلة : إن تجتنبوا الخروج من الإيمان نكفر عنكم ما ذكر ، فلا كبيرة إذن على قولهم إلا الخروج من الإيمان ، فصارت الآية على قولهم راجعة إلى خاص ، وهو ما يخرج عن الدين والإيمان ، فأبطل ذلك قولهم في دعوى العموم فيها ، وألزم القول بالخصوص ، فمن قضى شيء دون شيء بلا بيان فهو متحكم ، وفي ذلك لزوم قول الحسين من الوقف في جميع ما فيه الوعيد وبطلان قول من ذكر ، واللّه أعلم .
ثم الأصل أن اللّه وعد على كثير من الخيرات وعدا من غير ذكر اجتناب الكبائر معه ، وأوعد على كثير من السيئات وعيدا في مخرج العموم ، كما وعد على الخيرات ، فمن وجّه الآيتين جميعا إلى العموم ألزم التناقض في جميع الأمرين في واحد ، وذلك آية السفه .