فأدخل الورّاق أنهم لو تمنوا باللسان لقيل إنما أريد به القلب ، والثاني أنهم قد آمنوا بموسى وعيسى ، وقد أخبراهم بذلك كما يخبر المنجمة .
فجواب الأول أن المباهلة لا تحتمل ذلك ، وأيضا إنهم أهل بصر ، إذا لو ردوا لقابلوا بأنهم فعلوا ذلك أيضا بقلوبهم .
والحرف الثاني لو كان كذلك ما امتنعوا عن مقابلته عند قوله :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
[ الفتح : 27 ] وقوله :
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
[ الصف : 9 ] ، ولو كان بذلك كان التصديق لما احتمل المقابلة بأعز الأشياء وهي الأنفس والأموال .
قال الفقيه رحمه اللّه : وأيضا أنه لو كان بالذي ذكر لم يكن خبر رسول اللّه لن يتمنوه بذلك ، بل كان بالذي يعلم أنهم لا يفعلون ولا قوة إلّا باللّه .
وطعن ، ولو كان على حكم قول المنجمة لما تقرر عندهم حتى يتحرجوا الإجابة ، لم يكن الذي جاء به رسول اللّه بدون ذلك لم يتحرجوا عما خوفهم فيسلموا ولا قوة إلّا باللّه .
وطعن في قوله :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ
[ العنكبوت : 48 ] ، إن الحفظ يقوم مقام الكتاب ، وأحال ؛ لأن الحفظ يكون عن تلاوة ، وما بالإلقاء عليه فهو عن كتاب يقرأ .
وبعد ، فإنما ذلك إنما يكون بمن يظهر اختلافه عند من يعرف به ، ومعلوم أنه نشأ بين أظهرهم ، لم يعرف في شيء من ذلك ، ولولا ذلك لكان هذا القدر من المقابلة سهلا لا يعجزون عنه .
وطعن في أخبار القرآن ، إنه خبر الآحاد ، وذلك كذب ، بل رواه كافة عن كافة ، مع ما في هذا إقرار أنه حجة .
وطعن التواتر بما لا تخلو الجماعة عن البعد من السمع فيحتمل الحيلة ، أو القرب فلا يحتمل مباشرة مثله إلا اليسير .
قال ابن الراوندي هذه الجهلة بالمحافل وإلا الأمر في ذلك ينتشر ما كان من [ . . . . ] « 1 » قبل حتى لا يكاد شيء منه يخفى على الأبعدين فضلا عن الأقربين .
وطعن أيضا بإجماعات اليهود والنصارى ، قال ابن الراوندي : إما أن ينكر الخبر البتة فيبطل مذهبه في تقليد الماني وقوله هذا ، أو يجيز خبرا ، لا بد إذ ذاك من الرجوع إلى إجماع أهل الحق في الأصول العقلية فيقبل أخبارهم وإجماعاتهم ؛ إذ هم المتمسكون به ، ونحن أولئك بحمد اللّه .
قال الشيخ رحمه اللّه : والأصل في هذا أن الأخبار التي لزم في العقول قبولها لما
هامش
( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل .