مع ما له آيات في الخلق وهو النور الذي انتقل من ظهر إلى ظهر حتى خرج هو .
وما كان من الخاتم بين كتفيه وما وصف بالرّبعة ، ثم كان لا يزاحم طولين إلا فاقهما .
ثم كان من السحاب الذي يظله قبل أن يوحى إليه ، ثم كان من شق بطنه وغسل ما فيه - معلوم ذلك - وردّه إلى موضعه ، ثم كان من هجر عبادة الأوثان في صغره ، مع حرص قومه على ذلك .
وما استقى به العبّاس فسقوا ،
ثم ما وصف من معاملته الكفرة أنه لم يكن يداري ولا يماري ، ولم يكن فحّاشا ولا صخّابا .
ثم ما لم يأخذوا عليه كذبا قط ، وبذلك وصفه أعداؤه .
ثم ما جاء من الآيات التي لما اختلفوا فيه فعرفوه بالسحر والكهانة والشعر ونحو ذلك ، فما كان إلا لكثرة آياته ، ولا قوة إلّا باللّه .
ثم طعن الورّاق المحتج بالقرآن بأوجه : أحدها : تفاوتهم في البلاغة ، ولعله تآليف أبلغهم . والثاني : أن الحروب معه شغلتهم عن مثله . والثالث : أنهم لم يكونوا أهل نظر ومعرفة ، ألا ترى أنهم صدّوا عن الإقرار مع توفر أسبابه عند أصحاب الضرورة ، وعن النظر والمعرفة مع أسباب ذلك عند أصحاب الاكتساب . والرابع :
خصوص واحد بقوة من بين الجميع من غير أن يوجب ذلك له شيئا ، فمثله النبوة ، أو أن يكون قدرتهم كانت بالفكر والتخيير ، فلم يتكلفوا ذلك .
فأما الأول فإنه لو كان ما قال يمتنعون عن ذلك بعد الجهد فدل تركهم دونه أنهم تركوه طباعا . وأيضا أنه لو كان كذلك لم يحتمل مثله ممن يقول :
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
[ الإسراء : 88 ] أن يكون أحد من البشر يبلغ علمه باللسان ذلك . والثالث أنه إذ نشأ بينهم ، ومن عندهم عرف اللسان ، فلولا أن له في ذلك من اللّه خصوصا لم يكن لغيره لا يحتمل أن يصير بهذا المحل . والرابع قد تكلفوا المجاوبات لأقوام معروفين في فن حتى اجتهدوا في قصيدة حولا ، فلو كان يحتمل وسعهم أو يرجون البلوغ بطرق ما احتمل تركهم ، وفي ذلك تشبيه على القوم ، وقد بذلوا مهجهم ودنياهم في إطفاء هذا النور .
والفصل الثاني لا يحتمل الذي ذكر ؛ لما بذلك غنى لهم عن بذل المهج ، ولما أمهلوا قريبا من عشرين سنة قبل الحروب ، ولما فيه تقريع الجن والإنس ، وإنما حارب قوم .
وبعد ، فإن المحاربة لم تمنعهم من محاربات سمعوا من رسول اللّه كذلك القرآن لو احتمل وسعهم .