منشأ المعرفة الفطرية
منشأ هذا العرفان المفطور عليه كل إنسان من آدم ومن بعده من أولاده وأولاد أولاده إلى يوم القيامة ، ومبدؤه ، هو : معرفة ذاته تعالى شأنه بذاته ووجدان العبد إيّاه وجدانا لائقا بذاته القدّوس حصلت لكل إنسان في عوالم سابقة واقعة قبل خلقة أبدانهم من أجزاء التراب ، المعبّر عنها في الروايات المباركات بالذرّ ، لكون بدن الإنسان فيها من جهة الصغر كالذرّ أو أصغر ، المشار إليها بقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ « 2 » . وقبل ذلك في عالم الأرواح والأظلّة والأشباح ، المخلوقة قبل الأبدان الذرّية . وبالجملة : عرّفهم نفسه في تلك النشآت مرارا معرفة جليّة عبّر عنها بالرؤية ، المفسّرة بقولهم : لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان ، فأثبتها في قلوبهم وأنساهم الرؤية . وهذه المعرفة من اللّه تعالى التي ليس للعباد فيها صنع هي المحقّقة لموضوع العهد والميثاق الذي أشار إليه - على ما في بعض الروايات - بقوله تعالى : وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 3 » . وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ « 4 » .