فأشغلوا قلوبهم بالتعلق بتركها ، وكان من إهانتها مؤاتاة الشهوات عند اعتراضها حتى لا يشتغل القلب بذكرها ، ويعظم عنده ما ترك منها [ ورباح وكليب ] كانا يقولان هذه المقالة .
ومنهم صنف زعموا : أن الزهد في الدنيا هو الزهد في الحرام . فأما الحلال فمباح لهذه الأمة من أطائب الطعام ، وغرائب الألوان ، وكفاية الخدم ، ولين الرياش ، وسعة المنازل ، ووطاءة المهاد ، وتشييد القصور . وكفاية الحاجات ، وترك الطيبات ، وقطن الأوطان ، وإن الأغنياء أفضل منزلة عند الله من الفقراء لما أعطوا من فضل أموالهم وفضول من نوائب حقوقهم وأدركوا من منتهى رغباتهم .
لقد قالوا خلاف ما قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ورواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال :
« يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم » خمسمائة عام وروى عبد اللّه بن عمر قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا » .
ومنهم الجهمية وهم ثماني فرق :
منهم صنف من المعطلة يقولون : إن الله لا شيء ، وما من شيء ، ولا في شيء ، ولا يقع عليه صفة شيء ، ولا معرفة شيء ، ولا توهم شيء ، ولا يعرفون الله فما زعموا إلا بالتخمين فوقعوا عليه اسم الألوهية ، ولا يصفونه بصفة يقع عليه الألوهية .
وقال الله عز وجل في كتابه :
( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ )
[ 214 ] فأخبر أنه شيء وقال أيضا :
( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ )
[ 215 ] .
وأما ما جاءت به الآثار فهو ما روى أبو هريرة قال : قال رسول الله ص :
« ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يسألونكم : هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ؟
فقولوا : الله خالق كل شيء ، وقبل كل شيء ؛ وهو بعد كل شيء » .
وعن ابن عباس قال : قال رجل يا رسول الله : إنه يعرض في نفسي الأمر لأن