الثواب على الطاعة سمعىّ . والوجوب العقلىّ ثبت باستحقاق تاركه الذّم عقلا .
فهذا الاستدلال ساقط .
وأمّا قوله في معارضة المعتزلة فغير متوجّه عليهم ، لأنّ وجوب النظر عندهم ليس بمتوقف على العلم بالوجوب ، بل قالوا : دفع الضرر المظنون الّذي لعلّه يلحق بسبب الجهل بالمنعم واجب في البديهة العقليّة ، وذلك لا يمكن الّا بمعرفته ، وذلك لا يزول بترك النظر ، بل انّما يزول بالنظر . وأمّا الوجوب السمعيّ فلو كفى فيه إمكان العلم بالوجوب للزم أن يجب على المكلّفين ما لا يعلمونه أصلا ، لأنّ امكان العلم بواجبات ، غير الّذي يعلمونه حاصل . والصّواب أن يقال : امكان العلم بصدق الأوامر السمعيّة يقتضي وجوب النظر فيها .
قال :
مسألة اوّل الواجبات المعرفة أو النظر أو القصد
اختلفوا في أوّل الواجبات : منهم من قال : هو المعرفة ، ومنهم من قال :
هو النظر المفيد للمعرفة ، ومنهم من قال : هو القصد إلى ذلك النّظر . وهو خلاف لفظي ، لأنّه إن كان المراد أوّل الواجبات المقصودة بالقصد الأوّل ، فلا شكّ أنّه هو المعرفة عند من يجعلها مقدورة ، والنظر عند من لا يجعل العلم مقدورا ؛ وإن كان المراد أوّل الواجبات كيف كانت فلا شكّ أنّه القصد .
أقول : حكى عن أبي الحسن الأشعرىّ : أنّ أوّل الواجبات هو العلم باللّه تعالى . وأمّا القول بأنّ أوّل الواجبات هو النّظر فهو مذهب المعتزلة ، وقيل : إليه ذهب أبو إسحاق الأسفرائيني . وذهب إمام الحرمين إلى أنّ أوّل الواجبات هو القصد إلى النظر . وذهب أبو هاشم إلى أنّ أوّل الواجبات هو الشّك . وهذا ليس بصحيح ، لأنّ الشّك لا يكون مقدورا ، وإن كان مقدورا فلا يكون مرادا للعاقل . وسائر الاختلافات يتعلّق باختلاف الاعتبارات ، كما بيّنه .