المقدمة الثانية في أحكام النظر
المعترفون بالتّصديقات البديهيّة والمحسوسة اختلفوا في أنه هل يمكن تركيبها بحيث يتأدّى ذلك التّركيب إلى صيرورة ما ليس بمعلوم معلوما ؟ والجمهور من أهل العالم قالوا به ، والكلام فيه وفي تعاريفه يستدعى مسائل :
مسألة النظر والفكر
النّظر ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى تصديقات اخر ، فانّ من صدّق بأنّ « العالم متغيّر وكلّ متغيّر ممكن » لزمه التّصديق بأنّ « العالم ممكن » .
فلا معنى لفكره إلّا ما حضر في ذهنه من التّصديقين ، المستلزمين للتّصديق الثّالث .
ثمّ المستلزمان إن كانا يقينيّين كان اللازم كذلك ، وإن كانا ظنيّين أو أحدهما فاللازم كذلك . ومنهم من جعل الفكر أمرا وراء هذه التّصديقات المترتّبة ؛ إمّا عدميّا ، وهو الّذي يقال : الفكر تجريد العقل عن الغفلات ؛ أو وجوديّا ، وهو الّذي يقال : الفكر هو تحديق العقل نحو المعقول . وهذا كما أنّ الرّؤية بالعين يتقدمها النّظر إلى المرئىّ ، وهو تقليب الحدقة نحوه ، التماسا لرؤيته بالبصر . فكذلك الرؤية بالعقل يتقدّمها تحديق العقل نحو المطلوب ، التماسا لرؤيته بالبصيرة .
أقول : إنّه حدّ النّظر بما هو أخصّ منه ، لأنّ هذا الحدّ يختصّ بالانتقال من المبادى التّصديقيّة إلى المطالب ، وقلّ ما يتفق مثل هذا النّظر ابتداءً ، والأكثر