في ترك المغالاة ، فلما نبّهته علم أن ذلك مبني على طيب النفس ، فقال ما قال على جهة التواضع ، لأن من أظهر الاستفادة من غيره - وإن قل علمه - فقد تعاطى الخضوع ونبّه على أن طريقته أخذ الفائدة ، ويصيّر نفسه قدوة في أخذ الفائدة أينما وجدها ، وذلك يحسن من الفضلاء . ( وذلك ) : إن هذا التأويل دفع للعيان ، لأن المروي : أنه منع من ذلك وحظره ، حتى قالت المرأة له ما قالت « 1 » . ولو لم يكن حاظرا لها لما كانت في الآية حجة عليه ، ولا كان لكلام المرأة موقع ، ولا كان يعترف لها بأنها أفقه منه ، بل كان يجب أن يرد عليها ويوبخها ويعرفها أنه ما حظر ذلك . وإنما تكون الآية حجة عليه لو كان حاظرا مانعا .
وقولهم : إنه قصد التواضع ، فالتواضع لا يجوز باظهار القبيح وتصويب الخطأ ، لأن على قولهم هو المصيب وهي المخطئة فكيف يتواضع بكلام يوهم أنه المخطئ وهي المصيبة « 2 » .
[ مما طعنوا عليه : تسوره على قوم لانكار المنكر حتى أفحموه ، فتراجع ]
ومما طعنوا عليه أيضا : أنه تسوّر على قوم لينكر عليهم فقالوا له :
إنك أخطأت من جهات : تجسست وقد قال اللّه تعالى :
« وَلا تَجَسَّسُوا . . »
« 3 » ودخلت بغير إذن واللّه يقول :
« لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها . . »
« 4 » وتسورت الحائط واللّه تعالى يقول
« وَأْتُوا الْبُيُوتَ
هامش
( 1 ) لأن صور الحديث متقاربة في ان عمر صعد المنبر ، وقال : أيها الناس لا تغالوا - أو لا تزيدوا - في مهور النساء . . الحديث راجع المصادر الآنفة .
( 2 ) ولقد اعترف هو بذلك - كما تذكره المصادر الآنفة كافة - فقال - عقب اعتراض المرأة - : « امرأة أصابت ورجل - أو أمير - أخطأ »
( 3 ) سورة الحجرات 12 .
( 4 ) سورة النور 27 .