وقوله : لولا علي لهلك عمر ، يدل على أنه كان يأثم ويجرح « 1 » بوقوع الرجم وأنه مما لا يحل أن يؤمر به . وإلّا فلا معنى لهذا الكلام .
وقولهم : إنما أراد الغم الذي يلحقه إذا فعل ماله أن يفعله ولم يكن منه تقصير ولا تفريط ، لأنه إذا كان غير عالم بجنونها ، ولا يجب عليه المسألة والبحث عن حالها ، فأي وجه لتألمه وتوجعه واستعظامه ما فعله ، وهل هذا الا كرجم المشهود عليه بالزنى في أنه لو ظهر للامام بعد ذلك براءة ساحته ، لم يجب أن يندم على ما فعله ويستعظمه ، لأنه وقع صوابا مستحقا .
وأما قولهم : إنه كان لا يمتنع في الشرع أن يقام على المجنون الحد ، وتأولهم الخبر بما يقتضي زوال التكليف دون الأحكام ، فان أرادوا : لا يمتنع في العقل أن يقام على المجنون ما هو من جنس الحد من غير استخفاف ولا إهانة فذلك صحيح كما يقام على التأديب . فأما الحد على الحقيقة فهو الذي يضاهي الاستخفاف والإهانة ولا يقام إلا على المكلفين ومستحقي العقاب ، وبالجنون قد زال التكليف وزال استحقاق العقاب الذي يتبعه الحد .
وقولهم : إنه لا يمتنع أن يرجع فيما هذا حاله من المشتبه إلى غيره ، فليس هذا من المشتبه الغامض ، بل مما يجب أن يعرفه العوام فضلا عن العلماء على أنا قد بيّنا : أن الامام يجب أن يكون عالما بجلى الأحكام وخفيّها ، ولا يجوز أن يرجع في شيء منها إلى غيره « 2 » .
هامش
( 1 ) جرح : اكتسب ، ومنه قوله تعالى :« وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ . . ». واجترح : ارتكب الاثم ، ومنه قوله تعالى :« أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . »ولعل المصنف يريد من الجرح هنا : الاجتراح ، وإن تسامح في التعبير .
( 2 ) راجع : الجزء الأول من تلخيص الشافي 243 فصل خاص بذلك .