وأجاب المصنّف من هذا الوجه بأنّه تعالى علّق الرؤية على استقرار الجبل لا مطلقا بل في حال حركته ، واستقرار الجبل وثباته في حال الحركة والسيلان متقابلان ممتنعا الجمع ، فالمعلّق عليه ممتنع الوقوع ، فيمتنع وقوع المعلّق طبعا .
أقول : قول المصنّف : « وتعليق الرؤية باستقرار المتحرّك » ممّا لا شاهد له في الآية الشريفة بل المتفاهم في عرف المحاورة من قوله تعالى :
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ . . .
« 1 » تنظير إراءة نفسه الأقدس لموسى عليه السّلام بتجلّيه للجبل ، والمراد أنّ إشراقي وظهوري للجبل نظير إشراقي وظهوري لك فإن استقرّ الجبل وثبت وبقي على ما كان مع ما هو عليه من الصلابة والقوّة والطاقة ، فإنّك أيضا تطيق تجلّي ربّك ، فليس المقصود هو الاستدلال به على استحالة التجلّي كيف ؟ وقد تجلّى عزّ اسمه ، بل استشهاد به على عدم استطاعته وطاقته لظهور الرّب تعالى وتجلّيه له فينمحي وجوده ويندكّ كما اندكّ الجبل وتلاشت هويته الجبليّة بصيرورته ذرات ترابية صغارا فالمعلق - وهو التجلّي والإراءة - لم يكن مستحيلا بل قد وقع في المقام ، ولكنّ المتجلّى له - وهو الجبل - لم يكن ليطيق أن يقع مصبّا للتجلّي والظهور فلا جرم اضمحلّت هويته وانطمست تحت سطوع جلوة القهّار عزّ وجلّ .
وأمّا استدلالهم على جواز الرؤية بالعقل فأشار إليه المصنّف مع جوابه ، فقال قدّس سرّه :
« واشتراك المعلولات لا يدلّ على اشتراك العلل مع منع التعليل والحصر » .
تقرير استدلالهم العقلي : أنّا نرى الأعراض : كالألوان والأضواء ، والجواهر : كالطول والعرض في الجسم ، فلا بدّ من علّة مشتركة بينهما تكون هي المتعلّق الأوّل للرؤية ، وذلك الأمر إمّا الوجود أو الحدوث ، والحدوث لا يصلح للعلّية ؛ لأنّه مركّب من قيد عدمي ، فيكون عدميّا ، فلم يبق إلّا الوجود ، فكلّ موجود يصحّ رؤيته ، وهو تعالى موجود ، فيصحّ رؤيته .
ولا يخفى سخافة هذا الدليل على أصحاب البحث ، ومع ذلك قد أجاب المصنّف رحمه اللّه عنه بوجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّه لا يلزم من اشتراك المعلولات اشتراك العلل ؛ فإنّ الواحد النوعي قد يعلّل
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 143 .