القبر ونعيمه وسؤال الملكين أكثر من أن تحصى بحيث تبلغ قدره المشترك حد التواتر وإن كان كل واحد منها خبر الآحاد ، واتفق عليه السلف الصالح قبل ظهور المخالف ، وأنكره مطلقا ضرار بن عمرو وأكثر متأخري المعتزلة وبعض الروافض ، متمسكين بأن الميت جماد فلا يعذب ، وما سبق حجة عليهم ؛ ومن تأمل عجائب الملك والملكوت وغرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذا : فإن للنفس نشئات وفي كل نشأة تشاهد صورا تقتضيها تلك النشأة ؛ فكما أنها تشاهد في المنام أمورا لم تكن تشاهد في اليقظة فكذا تشاهد في حال الانخلاع عن البدن أمورا لم تكن تشاهد في الحياة ، وإلى هذا يشير من قال : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا - انتهى كلامه .
ولا يخفى أن ما نسبه إلى الشيعة فرية بلا مرية « 1 » .
وقال البهائي في الأربعين : عذاب القبر وهو العذاب الحاصل في البرزخ - أعني ما بين الموت والقيامة - مما اتفقت عليه الأمة سلفا وخلفا وقال به أكثر أهل الملل ولم ينكره من المسلمين إلّا شرذمة قليلة لا عبرة بهم ، وقد انعقد الإجماع على خلافهم سابقا ولاحقا ، والأحاديث الواردة فيه من طرق الخاصة والعامة متواترة المضمون ، وهي أكثر من أن تحصى ، وقد أورد الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي طرفا منها من طرق أهل البيت وكذا الصدوق في الأمالي وغيره ، وقد اشتمل كتاب المشكاة والمصابيح على أحاديث متكثرة في هذا الباب ، وفي القرآن العزيز آيات ترشد إليه ، فمنها قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
« 2 » فقد ذكر سبحانه الرجوع إليه - وهو البعث في القيامة - معطوفا بثم على إحياءين فأحدهما في القبر ، كذا ذكره جماعة من المفسرين ، منهم الفخر الرازي في التفسير الكبير ، ومن قال
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ج 6 ص 270 - 282 .
( 2 ) سورة البقرة ؛ الآية : 28 .