السبي ، ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد ، فأمر أن يجعل في طست من ذهب ، وجعل ينظر إلى ويقول هذه الأبيات :
صبرنا وكان الصبر منا عزيمة * وأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نعلق هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ثم تكلم بكلام قبيح وأمر بالرأس أن تصلب بالشام ، ولما صلبت أخفى خالد ابن عفران شخصه من أصحابه ، وهو من أفاضل التابعين فطلبوه شهرا حتى وجدوه فسألوه عن عزلته ، فقال ألا ترون ما نزل بنا :
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد * متزمّلا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا * في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبّرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا
واختلف الناس في موضع الرأس المكرم ؟ وأين حمل من البلاد ؟
فذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني : أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث به إلى المدينة فأقدم إليه عدة من موالي بني هاشم وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان ، ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم ، وجهّزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها ، وبعث برأس الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد العاص ، وهو إذ ذاك عامله على المدينة ، فقال عمرو : وددت أنه لم يبعث به إلي . ثم أمر عمرو بن سعيد بن العاص برأس الحسين عليه السلام فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة عليها الصلاة والسلام هذا أصح ما قيل في ذلك . ولذلك قال الزبير بن بكار : إن الرس حمل إلى المدينة « 1 » . والزبير أعلم أهل النسب وأفضل العلماء لهذا السبب . قال : حدثني بذلك محمد بن حسن المخزومي النسّابة .
والإمامية تقول : إن الرأس أعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوما من المقتل ، وهو يوم معروف عندهم يسمون الزيارة فيه زيارة الأربعين ، وما ذكر أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فشئ باطل لا يصحّ ولا يثبت .
وقد قتل اللّه قاتله صبرا ولقي حزنا طويلا وذعرا ، وجعل رأسه الذي اجتمع فيه العيب والذم في الموضع الذي جعل فيه رأس الحسين ، وذلك بعد قتل الحسين
هامش
( 1 ) وهذا ما يقول به أكثر العلماء ، وانظر على سبيل المثال : « تاريخ الطبري » ( 4 / 356 ) - الطبعة القديمة - و « مجموع الفتاوى » ( 27 / 450 - 490 ) و « البداية والنهاية » ( 8 / 221 ) وغيرها .