تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
ترابا . ثم يخرج النداء من قبل اللّه تعالى : أين اللوح المحفوظ ؟ فيؤتى به له هرج عظيم ، فيقول اللّه تعالى : أين ما سطرت فيك من توراة وزبور وإنجيل وفرقان ؟ فيقول يا رب نقله مني الروح الأمين . فيؤتى به يرعد وتصطك ركبتاه ، فيقول اللّه تعالى : يا جبريل هذا اللوح المحفوظ يزعم أنك نقلت منه كلامي ووحيي أصدق ؟ قال : نعم يا رب . قال : فما فعلت فيه ؟ قال : أنهيت التوراة إلى موسى ، وأنهيت الزبور إلى داود وأنهيت الإنجيل إلى عيسى ، وأنهيت الفرقان إلى محمد عليهم السلام ، وأنهيت إلى كلّ رسول رسالته وإلى أهل الصحف صحائفهم . فإذا بالنداء يا نوح فيؤتى به يرعد وتصطك فرائصه ، فيقول : يا نوح زعم جبريل أنك من المرسلين . قال : صدق . فقيل له : ما فعلت مع قومك ؟ قال : دعوتهم ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا . فإذا بالنداء : يا قوم نوح ، فيؤتى بهم زمرة واحدة فيقال هذا أخوكم نوح يزعم أنه بلغكم الرسالة فيقولون : يا ربنا كذب ، ما بلغنا من شيء ! وينكرون الرسالة . فيقول اللّه : يا نوح ألك بينة ؟ فيقول : نعم يا رب ؛ بينتي عليهم محمد وأمته . فيقولون : كيف ونحن أول الأمم ، وهم آخر الأمم ؟ فيؤتى بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فيقول : يا محمد ؛ هذا نوح يستشهد فيشهد له بتبليغ الرسالة فيقرأ صلى اللّه عليه وسلم :
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
[ نوح : 1 ] إلى آخر السورة فيقول الجليل جل جلاله : قد وجب عليكم الحق ، وحقت كلمة العذاب على الكافرين ، فيؤمر بهم زمرة واحدة إلى النار من غير وزن عمل ولا حساب ، ثم ينادى أين هود فيفعل قوم هود مع هود كما فعل قوم نوح مع نوح ، فيستشهد عليهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وخيار أمته فيتلو :
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ
[ الشعراء : 123 ] فيؤمر بهم إلى النار مثل أمة نوح ، ثم ينادي : يا صالح ويا ثمود فيأتون فيستشهد صالح عندما ينكرون فيتلو النبي صلى اللّه عليه وسلم :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
[ الشعراء : 141 ] إلى آخر القصة ، فيفعل بهم مثلهم ولا يزال يخرج أمة بعد أمة قد أخبر عنهم القرآن بيانا وذكرهم فيه إشارة كقوله تعالى :
وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
[ الفرقان : 38 ] وقوله :
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً
[ المؤمنون : 44 ] وقوله :
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[ إبراهيم : 9 ] وفي ذلك تنبيه على أولئك القرون الطاغية كقوم تارخ وتارح ودوحا وأسرا وما أشبه ذلك ، حتى ينتهي النداء إلى أصحاب الرّسّ وقوم إبراهيم وفي كل ذلك لا يرفع لهم ميزان ولا يوضع لهم حساب ، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ، والترجمان يكلمهم لأن الرب تعالى من نظر إليه وكلمه لم يعذبه . ثم ينادى بموسى بن عمران فيأتي وهو كأنه ورقة في ريح عاصف اصفر لونه واصطكت ركبتاه فيقول له : يا ابن عمران جبريل يزعم أنه بلغك الرسالة والتوراة فتشهد له بالبلاغ ؟ قال : نعم . قال : فارجع
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 335 | القرطبي