تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
أصابع الرحمن » أي بين نعمتين « 1 » من نعم الرحمن ، يقال : لفلان عليّ إصبع ، أي : أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة ، وللراعي على ماشيته إصبع ، أي : أثر حسن . وأنشد الأصمعي للراعي :
ضعيف العصى بادي العروق ترى له * عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
وقال آخر :
صلاة وتسبيح وإعطاء سائل * وذي رحم تبتل منك إصبع
أي : أثر حسن . وقال آخر :
من يجعل اللّه عليه إصبعا * في الخير والشرّ يلقاه معا
فإن قيل : كيف جاز إطلاق الشمال على اللّه تعالى وذلك يقتضي النقص ؟ قيل : هو مما انفرد به عمر بن حمزة « 2 » عن سالم ، وقد روى هذا الحديث نافع وعبد اللّه بن مقسم عن ابن عمر لم يذكرا فيه الشمال . ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يذكر فيه واحد منهم الشمال . قال البيهقي : وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير وبالآخر يزيد الرقاشي ، وهما متروكان ، وكيف يصح ذلك وصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه سمى كلتا يديه يمينا ؟ وكأن من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له ، أو على عادة العرب في ذكر الشمال في مقابلة اليمين . قال الخطابي : « ليس فيما يضاف إلى اللّه عز وجل من صفة اليد شمال ، لأن الشمال محل النقص والضعف » . وقد روي : « كلتا يديه يمين » وليس معنى اليد عندنا الجارحة ، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف ، فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها ، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة . وقد يكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة والملك ومنه قوله تعالى :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
[ النساء : 3 ] يريد بها الملك ، وقال :
لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
[ الحاقة : 45 ] أي : بالقوة والقدرة ، أي : أخذنا قدرته وقوته . قال الفراء : اليمين القوة والقدرة ، وأنشد :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين
هامش
( 1 ) وهذا تأويل باطل ، والصواب أخذ اللفظ على ظاهره دون تشبيه أو تعطيل أو تأويل . ( 2 ) وهو ضعيف كما في « التقريب » ( 4884 ) .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 203 | القرطبي