نظرت إلى مطلع الهلال فلم أر الهلال . وكذا لم أزل أنظر إلى مطلع الهلال حتّى رأيت الهلال . ولو سلّم فمحمول على حذف المضاف .
والبواقي من الأمثلة كلّها مجازات ؛ حيث أطلق النظر على تقليب الحدقة إطلاقا لاسم المسبّب على السبب .
وعلى تقدير كون النظر مجازا عن الرؤية يجب الحمل عليه ؛ لأنّ الأشياء التي يمكن إضمارها كثيرة كنعمه وجهته وآثاره ، ولا قرينة - هاهنا - لتعيين المراد ، فالتعيين تحكّم لا يجوز لغة ، فوجب المصير إلى المجاز المتعيّن .
ومنه قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
« 1 » حقّر شأن الكفّار ، وخصّهم بكونهم محجوبين عن ربّهم ، فكان المؤمنون غير محجوبين ، وهو معنى الرؤية . والحمل على كونهم محجوبين عن رضوانه تعالى وكرامته خلاف الظاهر .
ومنه قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
« 2 » فسّر جمهور أئمّة التفسير « الحسنى » بالجنّة ، و « الزيادة » بالرؤية على ما ورد في الخبر « 3 » ، كما سيجيء ، وهو لا ينافي ما ذكره بعض من أنّ الحسنى هي الجزاء المستحقّ ، والزيادة هي التفضيل « 4 » .
فإن قيل : الرؤية أجلّ الكرامة وأعظمها ، فكيف يعبّر عنها بالزيادة ؟ !
قلنا : للتنبيه على أنّها أجلّ من أن تعدّ في الحسنات وفي أجزية الأعمال الصالحات .
والنصّ من السنّة قوله عليه السّلام : « إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر
هامش
( 1 ) . المطفّفين ( 83 ) : 15 .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 26 .
( 3 ) . « تفسير الطبريّ » 6 : 549 - 553 ؛ « التفسير الكبير » 6 : 240 - 241 ؛ « الدرّ المنثور » 4 : 356 - 360 ؛ « مجمع البيان » 5 : 179 ؛ « تفسير القرآن العظيم » لابن كثير 2 : 429 - 430 ؛ « الصافي » 2 : 400 ، ذيل الآية 26 من سورة يونس ( 10 ) .
( 4 ) . في المصدر : « الفضل » .