ولهذا لم يتوقّف متفكّرا أصلا ، بل لا يخطر بباله سوى النجاة .
وكذلك العطشان إذا كان عنده قدحان متساويان من كلّ جهة .
وأجيب بأنّ المرجّح موجود وهو شاعر به وإن لم يكن شاعرا بأنّه شاعر لأجل الدهشة ؛ وذلك لأنّ الطبيعة تقتضي سلوك الطريق الذي على يساره ؛ لأنّ القوّة أكثر ، والقويّ يدفع الضعيف كما يشاهد فيمن يدور على عقبه .
وأمّا القدحان فيختار ما هو الأقرب إلى اليمين .
ويمكن الجواب عن الأوّل بأنّ الهارب عن السبع ليس فيه إرادة وشعور أحيانا ، وفي صورة الشعور يرجّح أحد الطريقين ؛ لمرجّح يقتضيه .
وبالجملة ، فالإرادة على الأوّل عبارة عن العلم بالمصلحة أو المفسدة في الفعل أو الترك ، الذي يوجب الميل إلى أحدهما ، فمعنى كونه تعالى مريدا أنّه يفعل الأشياء بالقصد والشعور والإرادة والعلم بكونها ممّا فيه مصلحة .
والمشيئة عبارة عن الميل إلى أحدهما وطلبه .
والاختيار عبارة عن ترجيح الفعل أو الترك فيفعل أو يترك .
والثلاثة متلازمة الوجود بالنسبة إلى الله تعالى ؛ لأنّه تعالى غنيّ مطلق ، وقادر مطلق ، وفعل الأشياء وتركها منوطان إلى المصلحة والمفسدة الراجعتين إلى المخلوق ، فالعلم بالمصلحة المخصوصة بوقت يقتضي اختيار الفعل ؛ لعدم وجود المعارض والمنازع بالنسبة إليه تعالى واستحالة التردّد فيه تعالى بخلاف غيره تعالى ؛ فإنّه يمكن أن يعلم مصلحة شيء ولا يطلبه ، أو يطلبه ولا يختاره ؛ لعدم القدرة عليه .
وقد يحصل العلم بالمصلحة والمفسدة بعد التردّد وقد لا يحصل .
وكيف كان فإذا كان الإرادة من شعب العلم ، يكون وجه ثبوتها له تعالى ووجه كونها عين الذات ظاهرين ممّا مرّ ، مضافا إلى أنّ تخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون بعض ، وفي بعض الأوقات دون بعض - مع استواء نسبته إلى الكلّ - لا بدّ له من
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة — صفحة 256
مساهمون: محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
ص٢٥٦