ولوجوب كون هذا العلم سببا لنظام جميع الموجودات لا يجوز أن يكون بالصور القائمة بذواتها أو بذات المعلول الأوّل ، وإلّا لكانت هذه الصورة من جملة تلك الموجودات ، فيكون نظامها لا عن علم ، أو عن علم آخر ، ويتسلسل ، بل هذه الصورة هي عين ذاته تعالى من وجه ، وغير ذاته تعالى من وجه على ما مرّ في التكميل العرشي « 1 » ، أو عين ذاته تعالى حقيقة وغير ذاته تعالى اعتبارا على ما مرّ في التدقيق الإلهاميّ « 2 » .
وممّا يدلّ على أنّ علمه تعالى لا يتفاوت قبل وجود الأشياء وبعدها ، وأنّه على حال واحد أزلا وأبدا لا يتغيّر بتغيّر المعلوم قبلا وبعدا - فلو كان علمه بحضور الأشياء أنفسها عنده بوجوداتها العينيّة ، لكان علمه تعالى بها عند وجوداتها أشدّ انكشافا ممّا كان قبلها على ما اعترفوا به وادّعوا الضرورة فيه سيّما والعلم قبل الإيجاد إجماليّ محض على زعم من ذهب منهم إليه - ما « 3 » رواه في الكافي عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : سمعته يقول : كان الله ولا شيء غيره ، ولم يزل عالما بما يكون ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه « 4 » .
وعن أيّوب بن نوح أنّه كتب إلى أبي الحسن عليه السّلام يسأله عن الله عزّ وجلّ :
أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها ، أو لم يعلم ذلك حتّى خلقها وأراد خلقها وتكوينها ، فعلم ما خلق عندما خلق وما كوّن عندما كوّن ؟ فوقّع بخطّه عليه السّلام : لم يزل الله عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء « 5 » .
هامش
( 1 ) . انظر ص 230 وما بعدها من هذا الجزء . وكذا « شوارق الإلهام » : 541 - 542 .
( 2 ) . انظر ص 233 وما بعدها من هذا الجزء .
( 3 ) . مبتدأ مؤخّر خبره قوله : « ممّا » .
( 4 ) . « الكافي » 1 : 107 باب صفات الذات ، ح 2 .
( 5 ) . نفس المصدر ، ح 4 .