فإنّه يستلزم الدور ؟
فأجاب المعتزلة « 1 » والإماميّة « 2 » بأن لا نعني بالتابعيّة التأخّر حتّى يلزم الدور ؛ فإنّ التابع يطلق على ما يكون متأخّرا عن المتبوع ، وعلى ما يكون مستفادا منه ، وهما غير مرادين في قولنا : « العلم تابع للمعلوم » فإنّ العلم قد يتقدّم المعلوم زمانا ، وقد يفيد وجوده كالعلم الفعلي . وإنّما المراد هنا كون العلم والمعلوم متطابقين ، بحيث إذا تصوّرهما العقل حكم بأصالة المعلوم في هيئة التطابق ؛ فإنّ العلم تابع له وحكاية له ، فنسبته إليه كنسبة الصورة المنقوشة على الجدار إلى ذات الفرس ، فكما أنّ الفرس أصل للصورة فكذا المعلوم أصل للعلم . ولذا يصحّ أن يقال : إنّما علمت زيدا شرّيرا ؛ لأنّه كان في نفسه شرّيرا ، ولا يصحّ أن يقال : كان زيد في نفسه شرّيرا ؛ لأنّي علمته شريرا . وكذا علمه تعالى في الأزل ؛ لأنّهم كانوا فيما لا يزال كذلك ، لا أنّ الأمر بالعكس .
مضافا إلى أنّه تعالى كما كان عالما بأنّهم يفعلون كذلك ، كان عالما بأنّهم يفعلون بالاختيار ، ولا أقلّ من الاحتمال المنافي للاستدلال ، فلو لم يكونوا مختارين لزم كون علمه تعالى جهلا .
قال : ( فزال الدور ) .
أقول : الذي يفهم من هذا الكلام أمران :
أحدهما : أن يقال : قد قسّمتم العلم إلى أقسام من جملتها : الفعلي الذي هو العلّة في وجود المعلول ، وهاهنا جعلتم جنس العلم تابعا فلزمكم الدور ؛ إذ تبعيّة الجنس تستلزم تبعيّة أنواعه .
وتقرير الجواب عن هذا : أن نقول : نعني بتبعيّة العلم ما قرّرناه من كون العلم والمعلوم متطابقين على وجه إذا تصوّرهما العقل ، حكم بأنّ الأصل في هيئة التطابق
هامش
( 1 ) . نقله القوشجي في « شرح تجريد العقائد » : 254 .
( 2 ) . « نهج الحقّ وكشف الصدق » : 123 - 124 ؛ « مناهج اليقين » : 90 - 91 .