أقول : اعلم أنّ العلم وإن كان من الكيفيّات الحقيقيّة القائمة بالنفس ، إلّا أنّه لا يعقل إلّا مضافا إلى الغير ؛ فإنّ العلم علم بالشيء ، ولا يعقل تجرّده عن الإضافة حتّى توهّم بعضهم « 1 » أنّه نفس الإضافة الحاصلة بين العلم والمعلوم ، ولم يثبت كونه أمرا حقيقيّا مغايرا للإضافة .
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ الإشكال يقوى على الاتّحاد كما قاله المصنّف رحمه اللّه ؛ فإنّ العاقل والمعقول إذا كانا شيئا واحدا - كما إذا عقل الشخص نفسه - يرد الإشكال « 2 » عليه بأن يقال : أنتم قد جعلتم العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم ، وهذا لا يتصوّر هاهنا ؛ لاستحالة اجتماع الأمثال .
ويقوى الإشكال « 3 » باعتبار الإضافة ؛ إذ الإضافة لا تعقل إلّا بين الشيئين ، لا بين الشيء الواحد ونفسه ، فلا يتحقّق علم الشيء بذاته .
والجواب عن الأوّل « 4 » : أنّ العلم إنّما يستدعي الصورة لو كان العالم عالما بغيره ، أمّا إذا كان عالما بذاته فإنّ ذاته تكفي في علمه من غير احتياج إلى صورة أخرى ؛ لأنّ علمه حينئذ علم حضوري ، بمعنى عدم غيبوبة المعلوم عن العالم ، لا حضوره عنده حقيقة ، وليس علمه حصوليّا حتّى يحتاج إلى صورة أخرى .
وعن الثاني « 5 » : أنّ العاقل من حيث إنّه عاقل مغاير له من حيث إنّه معقول ، فأمكن
هامش
( 1 ) . هو الفخر الرازي ، كما في « المحصّل » : 245 ؛ « المباحث المشرقيّة » 1 : 450 ؛ « شرحي الإشارات » 1 : 133 - 134 ، واختاره في « المطالب العالية » 3 : 104 بعد نسبته إلى جمع عظيم من الحكماء والمتكلّمين .
( 2 ) . راجع « شرح الإشارات والتنبيهات » 2 : 320 - 321 ؛ « نهاية المرام » 2 : 12 - 13 ؛ « كشف المراد » : 228 ؛ « اللوامع الإلهيّة » : 55 ؛ « شرح المواقف » : 15 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 301 - 302 ؛ « شرح تجريد العقائد » : 252 .
( 3 ) . « مناهج اليقين » : 87 - 88 ؛ « كشف المراد » : 228 ؛ « شرح المواقف » 6 : 16 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 302 ؛ « شرح تجريد العقائد » 252 .
( 4 ) . « كشف المراد » : 228 ، ويعتبر هذا أحد الأجوبة ، وللمزيد انظر : « شرح المواقف » 6 : 15 - 16 ؛ « اللوامع الإلهيّة » :
55 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 302 ؛ « شرح تجريد العقائد » : 252 .
( 5 ) . « المباحث المشرقيّة » 1 : 450 ؛ « شرح الإشارات والتنبيهات » 2 : 321 ؛ « كشف المراد » : 228 - 229 ؛ « نهاية