وهما تصدقان عليها صدق العارض على معروضه ؛ فإنّ الإنسانيّة لو كانت لذاتها كلّيّة لم تصدق جزئيّة ، وبالعكس ، فالإنسانيّة ليست من حيث هي هي كلّيّة ولا جزئيّة ، بل إنّما تصدق عليها الكلّيّة عند اعتبار صدق الحقيقة على أفراد متوهّمة أو متحقّقة . والجزئيّة إنّما تصدق عليها عند اعتبار أمور أخر لتلك الحقيقة ببعض الأفراد ، فهما من المعقولات الثانية .
قال : ( والذاتيّة والعرضيّة ) .
أقول : المراد أنّ الذاتيّة والعرضيّة أيضا من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى ، فإنّه ليس في الأعيان ذاتيّة ولا عرضيّة وليس لهما تأصّل في الوجود ، وقد يكون الذاتيّ لشيء عرضيّا لغيره ، وهما اعتباران عقليّان عارضان لماهيّات متحقّقة في أنفسها ، فهما من المعقولات الثانية .
قال : ( والجنسيّة والفصليّة والنوعيّة ) .
أقول : المراد أنّ هذه أيضا أمور اعتباريّة عقليّة صرفة من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى ؛ فإنّ كون الإنسان نوعا أمر مغاير للحقيقة الإنسانيّة ، عارض لها ، وإلّا لامتنع صدق الإنسانيّة على زيد ، وكذلك الجنسيّة للحيوان - مثلا - أمر عارض له ، مغاير لحقيقته ، وكذا الفصليّة للناطق ، وهذا كلّه ظاهر .
المسألة الثانية والثلاثون : في تصوّر العدم .
قال : ( وللعقل أن يعتبر النقيضين ، ويحكم بينهما بالتناقض ، ولا استحالة فيه ) .
أقول : العقل يحكم بالمناقضة بين السلب والإيجاب ، فلا بدّ وأن يعتبر هما معا ؛ لأنّ التناقض من قبيل النسب والإضافات لا يمكن تصوّره إلّا بعد تصوّر معروضه ، فيكون متصوّرا للسلب والإيجاب معا .
ولا استحالة في اجتماعهما في الذهن دفعة ؛ لأنّ التناقض ليس بالقياس إلى الذهن ، بل بالقياس إلى ما في نفس الأمر ، فيتصوّر صورة ما [ ويحكم عليها بأنّه