الإمام علي عليه السّلام أوّل من فتحَ باب الأبحاث العقلية على مصراعيه وبيّن الخطوط العريضة لكثير من العقائد على ضوء البرهان والدليل .
إنّ ظاهرة الجمود في أوساط العباسيين ولّدت ردّ فعلٍ عند أئمة الإسماعيليّة ، فانجرفوا في تيارات المسائل الفلسفية وجعلوها من صميم الدين وجذوره ، وانقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطوّر مع تطوّر الزمن ، ويتبنّى أُصولًا لا تجد منها في الشريعة الإسلامية عيناً ولا أثراً .
يقول المؤرّخ الإسماعيلي المعاصر : إنّ كلمة « إسماعيلية » كانت في بادئ الأمر تدل على أنّها من إحدى الفرق الشيعية المعتدلة ، لكنّها صارت مع تطور الزمن حركة عقلية تدلّ على أصحاب مذاهب دينية مختلفة ، وأحزاب سياسية واجتماعية متعدّدة ، وآراء فلسفية وعلمية متنوعة . « 1 »
الرابعة : تنظيم الدعوة
ظهرت الدعوة الإسماعيلية في ظروف ساد فيها سلطانُ العباسيين شرقَ الأرض وغربها ، ونشروا في كلّ بقعة جواسيس وعيوناً ينقلون الأخبار - خاصة أخبار مخالفيهم ومناوئيهم - إلى مركز الخلافة الإسلامية ، ففي مثل هذه الظروف العصيبة لا يكتب النجاح لكلّ دعوة تقوم ضد السلطة إلّا إذا امتلكت تنظيماً وتخطيطاً متقناً يضمن استمرارَها ، ويصون دعاتها وأتباعها من حبائل النظام الحاكم وكشف أسرارهم .
وقد وقف الدعاة على خطورة الموقف وأحسّوا بلزوم إتقان التخطيط والتنظيم ، وبلغوا فيه الذروة بحيث لو قورنت مع أحدث التنظيمات الحزبية العصرية ، لفاقتها وكانت لهم القدح المعلّى في هذا المضمار ، وقد ابتكروا أساليب
هامش
( 1 ) . مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الإسماعيلية : 14 ، والمؤلف سوري إسماعيلي وفي طليعة كُتّابهم .