ثمّ ردّ على القائلين بكونه سبحانه على العرش ، بأنّه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من مكان للجلوس أو القيام شرف ولا علوّ ، ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح والجبال أنّه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر ، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة والجلال ، إذ ذكر في قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
« 1 » ، فدلّك على تعظيم العرش « 2 » .
ولأجل اختلاف المفسّرين في مفاد الآية ، التجأ هو إلى « تفويض معناها إلى اللَّه » ، وقال : « وأمّا الأصل عندنا في ذلك أنّ اللَّه تعالى قال :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
فنفى عن نفسه ، شبه خلقه ، وقد بيّنا أنّه في فعله وصفته متعال عن الأشباه ، فيجب القول بأنّ الرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل ، وثبت ذلك في العقل . ثمّ لا نقطع تأويله على شيء لاحتمال غيره ممّا ذكرنا » « 3 » .
فالماتريدي ينفي بتاتاً كونه سبحانه على العرش ، حتّى على النحو اللائق به الّذي ملأ كتب الأشاعرة وينزّهه عن تلك الوصمة ، ولكن لمّا كانت المعاني الأُخرى متساوية عنده ، لم يجزم بشيء منه ، وفوّض المراد إليه سبحانه ، ولأجل ذلك لخّص البياضي نظريّة الامام الماتريدي وقال : « ولا يؤوّل المتشابهات ويفوِّض علمها إلى اللَّه مع التنزيه عن إرادة ظواهرها » « 4 » .
هامش
( 1 ) . الأعراف : 54 .
( 2 ) . التوحيد : 69 و 70 .
( 3 ) . التوحيد : 69 و 74 .
( 4 ) . إشارات المرام : 54 .