7 - إنّ أصل الإرجاء هو التوقّف وترك الكلام في حقّ بعض الصحابة . لكنّ هذا الأصل قد نسي في الآونة اللاحقة ، وأخذ أصل آخر مكانه ، بحيث لم يبق من الأصل الأوّل أثر بين المرجئة اللاحقة وفرقهم المختلفة ، وهو البحث عن تحديد الإيمان والكفر ، والمؤمن والكافر .
فصار تحديد الإيمان بالاقرار دون العمل ، أو المعرفة القلبيّة دون القيام بالأركان ، ركناً ركيناً لهذه الطائفة بحيث كلّما أطلقت المرجئة ، لا يتبادر من هذه الكلمة إلّا من تبنّى هذا المعنى .
وقد أنهاهم أبو الحسن الأشعري في « مقالات الإسلاميين » في فصل خاصّ إلى اثنتي عشرة طائفة اختلفوا في حقيقة الإيمان بعد اتّفاقهم على إبعاد العمل عن ساحته وحقيقته .
وهذا يوضح صحّة ما قلناه من أنّ الإرجاء - يوم تكوُّنه - لم يظهر بصورة حزب سياسيّ . بل ظهر بصورة منهج فكري دينيّ التجأ إليه أصحابه ، خضوعاً للدعايات الفارغة ، وتسليماً لها ، وبما أنّ الإرجاء على كلا الأصلين كان لصالح السلطة من الأمويين ، كانت السلطة يومذاك تؤيّدهم لأنّ في تبنّي كل من الأصلين ، صلاحهم ودعم عروشهم .
فالأصل الأوّل يدعو إلى أنّ الإنسان قاصر عن تشخيص المصيب والمخطئ ، بل يترك أمر المخطئين إلى اللَّه ، وهذا التسليم هو نفس ما يطلبه أصحاب السلطة ، حتّى يجتنب الناس عن القضاء في يزيد الخمور ، وعبد الملك السفّاك ، وعامله الحجّاج بن يوسف الثقفي ، ممّن عاشوا قبل الفكرة
بحوث في الملل والنحل — صفحة 109
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٠٩