تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
بمعنى التأخير قال سبحانه :
( أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ )
. « 1 » ولهذه الفرقة ( المرجئة ) آراء خاصة نشير إليها في محلّها ، غير أنّ اللبنة الأُولى لظهورها هي اختلافهم في أمر علي وعثمان ، فهؤلاء ( الخوارج ) كانوا يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان ، على خلاف أكثرية المسلمين ، ولكن المرجئة الأُولى لما لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجئوا إلى القول بالإرجاء فقالوا : نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر ، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة ، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين ، مع فوارق بينهم وبين المرجئة التي تأتي في محلّها ، والعامل لتكوّنها كأصلها ، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير . هذا هو أصل الإرجاء ، ولبنته الأُولى ، ولكنّه قد نسي في الآونة الأخيرة ؛ وأخذ الأصل الآخر مكانه ، وهو كون العمل داخلًا في الإيمان أو لا ؟ وبعبارة أُخرى : هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا ؟ ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان ، فصار مرتكب الكبيرة كافراً . واختارت المعتزلة كون مرتكب الكبيرة غير مؤمن ولكنّه ليس بكافر ، بل هو في منزلة بين المنزلتين . وذهبت المرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان ، وأنّ إيمان مرتكب الكبيرة ، كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة العمل في الإيمان . فاشتهروا بالقول : « قدّموا الإيمان وأخّروا العمل » فصار هذا أصلًا وأساساً ثانوياً للمرجئة . فكلّما أطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلّا هؤلاء . إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية ، وأنّ عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلًا ، وانّ النار للكافرين « 2 » واقتحام الكبائر لا يضر أبداً ،
هامش
( 1 ) . الأعراف : 111 . ( 2 ) . شرح المقاصد للتفتازاني : 2 / 229 ، ولاحظ أيضاً ص 238 .