تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
يَوْمٌ مَشْهُودٌ )
« 1 » ، والسعيد ذلك اليوم هو المتمسّك بأمر اللّه والشقي هو المضيع . وقال في الرسالة : واعلم أيّها الأمير ، أنّ المخالفين لكتاب اللّه تعالى وعدله يحيلون في أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر ثمّ لا يرضون في أمر دنياهم إلّا بالاجتهاد والتعب والطلب والأخذ بالحزم فيه . وذلك لثقل الحقّ عليهم ، ولا يعولون في أمر دنياهم وفي سائر تصرفهم على القضاء والقدر ، فلو قيل لأحدهم : لا تستوثق في أُمورك ، ولا تقفل حانوتك احترازاً لمالك واتّكل على القضاء والقدر ، لم يقبل ذلك ، ثمّ يعوّلون عليه في الذي قال : وما يحتجون به أنّ اللّه تعالى قبض قبضة فقال : « هذا في الجنّة ولا أُبالي . وقبض أُخرى وقال : هذا في النار ولا أُبالي » . فإنّهم يرون ربّهم يصنع ذلك ، كالمقارع بينهم المجازف ، فتعالى اللّه عمّا يصفونه . فإن كان الحديث حقّاً ، فقد علم اللّه تعالى أهل الجنّة وأهل النار ، قبل القبضتين وقبل أن خلقهم ، فإنّما قبض اللّه أهل الجنة الذين في علمه أنّهم يصيرون إليها ، وإنّما مرادهم أن يقرروا في نفوس الذين يقبلون ما رووه ، أن تكون أعمال الناس هباءً منثوراً ، من حيث قد فرغ من الأمر ، وكيف يصح ذلك مع قوله :
( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً )
« 2 » وهو الذي حملهم عليه . وما معنى قوله :
( فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )
« 3 » وقد منعهم ؟ وكيف يقول :
( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ )
« 4 » بل كان يجب أن يقول : ما كان لأهل المدينة أن يعملوا بما قضيت عليهم « 5 » ، ولما قال :
( فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي
هامش
( 1 ) . هود : 103 . ( 2 ) . مريم : 9190 . ( 3 ) . الانشقاق : 20 . ( 4 ) . التوبة : 120 . ( 5 ) . كذا في النسخة والظاهر : إلّا بما قضيت عليهم .