تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
نريد هذا الجانب الثاني ، ولو قيل إنّه مسيّر لا مخيّر ، فلا بدّ أن يراد منه الجانب الأوّل . ثمّ إنّ في الذكر الحكيم آيات ودلالات وتصريحات على كون الإنسان مخيراً ، وهي على حدّ لا يمكن جمعها في مقام واحد . يقول اللّه لِكلِّ بشر على ظهر الأرض :
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ )
« 1 » ، فهل ربط الجزاء بالعمل هنا من قبيل المزاح أو الخديعة ؟ وعندما يصف ربّنا جزاء الكذبة والمكذبين ويبيّن عقبى عملهم ويقول :
( فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ * ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ )
« 2 » هل هذا الربط المتكرر بين العمل والجزاء ؟ وهل هذه النقمة المحسوسة على المجرمين تومئ من قرب أو بعد إلى أنّ القوم كانوا أهل خير فلوى زمامهم قدر سابق أو كتاب ماحق ؟ ما أقبح هذا الفهم ! في يوم الحساب يحصد الناس ما زرعوا لأنفسهم . والقرآن حريص كلّ الحرص على إعلان هذه الحقيقة وهي أنّك واجد ما قدمت لن تؤخذ أبداً بشيء لم تصنعه ، لم تغلب على إرادتك يوماً فيحسب عليك ما لم تشأ . إنّ المغلوب على عقله أو قصده لا يؤاخذ أبداً بل إنّ التكليف يسقط عنه . وتدبر قوله تعالى :
( أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ * قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ )
« 3 » ربّنا سبحانه وتعالى ينفي الظلم عن نفسه ويقول إنّه ما عذب إلّا من فرط وأساء . « 4 »
هامش
( 1 ) . الروم : 43 44 . ( 2 ) . فصلت : 27 28 . ( 3 ) . ق : 24 27 . ( 4 ) . السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث : 148 149 ، ولكلامه ذيل فراجعه .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 237 | الشيخ جعفر السبحاني