تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أوّلًا : إذا كان المصدر للاعتقاد بأنّ للّه سبحانه أعضاء هي هذه الأحاديث أو بعض الآيات على ما زعموا فليس فيها شيء يدل على هذه الكلمة : « بلا كيف » ، بل هي إضافة منهم بلا دليل . فليس لأهل الحديث الذين يفرون من التأويل ، وحتى يسمّون الحمل على المجاز والكناية تأويلًا ، إلّا الأخذ بحرفية هذه الأحاديث بتمامها ، لا التصرف فيها . وثانياً : إنّ اليد وأضرابها ، موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة التي يعرفها كلّ من عرف اللغة ، فإجراء هذه الصفات عليه سبحانه يمكن بإحدى صورتين : 1 - أن يجري عليه بما هو المتبادر عند أهل اللغة بلا تصرف فيه . وهذا ما عليه المشبّهة والمجسّمة . 2 - أن يجري عليه بما أنّها كناية عن معان كالبخل في قول اليهود
( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )
« 1 » والإحسان والجود في قوله سبحانه :
( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ )
« 2 » وهذا ما عليه أهل التنزيه ، وليس ذلك تأويلًا للقرآن أبداً ولا اتّباعاً لخلاف الظاهر ، إذ لهذه الألفاظ عند الإفراد ظهور تصوّري ويراد منها الأعضاء ، وعند التركيب مع سائرها والوقوع في طي الجمل ظهور آخر ، فربما يتّحد الظهوران ، مثل قولك لولدك : اغسل يدك قبل الغذاء . وربما يختلفان كما في الجملتين المتقدّمتين ، وليس هنا وجه ثالث حتى يتدرّع به أهل الحديث والحنابلة ، دعاة التنزيه لفظاً لا معنى . وما يتفوّه به هؤلاء من أنّ للّه يداً لا كالأيدي ، فإن رجع إلى أحد هذين المعنيين فنعم الوفاق إمّا مع أهل التشبيه أو مع أهل التنزيه ، وإلّا فيكون أشبه بلقلقة اللسان . وباختصار : إنّ القائل بأنّ له يداً لا يخلو في إجراء اللفظ عليه سبحانه أن يريد أحد وجهين : إمّا أن يريد المعنى الحقيقي وهو العضو المحسوس فيكون مجسّماً ومشبّهاً ، أو يريد المعنى المجازي وهو البخل أو الجود فيكون مؤوّلًا ، وهو
هامش
( 1 ) . المائدة : 64 . ( 2 ) . المائدة : 64 .