تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار الحكمة — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
وسائر ما يجعل الذات بحال زائدة ويريها على غير ما هي عليه : فلا لبس له ، فهو صراح وذاته غير محتجبة عن ذاته . فهو ظاهر بذاته على ذاته ، فهو يدرك ذاته أشدّ إدراك ، ويعلمها أتمّ علم ، لظهورها له أشدّ ظهور . بل لا نسبة لعلمه بذاته إلى علوم ما سواه بذواتهم ، كما لا نسبة بين وجوده ووجودات الأشياء ، حيث هو وراء ما لا يتناهى ، بما لا يتناهى .

نور [ علمه تعالى بغيره ]

ولمّا كان ذاته تعالى فاعلا تامّا لجميع ما عداه ، ومبدأ لفيضان كلّ إدراك - حسيّا كان أو عقليّا - ومنشأ لكلّ ظهور - عينيّا كان أو ذهنيّا - إمّا بدون واسطة أو بواسطة هي منه ، وفاعليّته عين ذاته ، إذ هي من الكمالات ، وقد ثبت في محلّه أنّ العلم التامّ بالفاعل التامّ للشيء - من حيث حقيقته التي بها فاعل - يستلزم العلم بكونه فاعلا لذلك الشيء ، وهو مستلزم للعلم بذلك الشيء : فهو سبحانه عالم بجميع الموجودات قاطبة ،
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ
[ 34 / 3 ] في الأرض ولا في السماء ،
وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
[ 41 / 47 ] ؛
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها
[ 6 / 59 ] ؛
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ 67 / 14 ] .

نور [ علمه تعالى بالمحسوسات ]

ولمّا ثبت علمه سبحانه بالجزئيّات على ما هي عليه - ومن جملتها المسموعات ، من الحروف والأصوات ، والمبصرات ذوات الأضواء والألوان - فهو سبحانه يدركها لا محالة - بلا آلة وجارحة - ولكن إدراكا حقّا بنفس ذاته النوري ، الذي يظهر ويتنوّر به جميع الأشياء ، كما يدرك سائر المحسوسات كذلك . فذاته سبحانه - بهذا الاعتبار - سمعه وبصره
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ 17 / 1 ] .
أنوار الحكمة — صفحة 60 | الفيض الكاشاني