وقد مضى ما يشرح هذين الحديثين في معنى الميزان ، فتذكّر ذلك حتّى تعلم أنّ الصراط المستقيم في الدنيا هو الطريق إلى الحقّ من وجه ، والسالك عليه من وجه .
فالصراط والميزان متّحدان في المعنى بكلا الوجهين ، وإن اختلفا بالاعتبار .
في تفسير أبي محمّد العسكري عليه السلام « 1 » : « الصراط المستقيم صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، فأمّا الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلوّ وارتفع عن التقصير ، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل . والطريق الآخر طريق المؤمنين إلى الجنّة ، وهو مستقيم لا يعدلون عن الجنّة إلى النار ، ولا إلى غير النار سوى الجنّة » .
وفي الحديث النبوي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 2 » : « الصراط أدقّ من الشعر ، وأحدّ من السيف ، وأظلم من الليل » .
وتفسير ذلك « 3 » : أنّ كمال الإنسان في سلوكه إلى الحقّ منوط باستكمال قوّتيه : أمّا العلميّة : فبحسب إصابة الحقّ في الأنظار الدقيقة التي هي أدقّ من الشعر في المعالم الإلهية .
وأمّا العلميّة : فبحسب توسّط القوّة الشهويّة والغضبيّة والفكريّة في الأعمال ، لتحصيل ملكة العدالة ؛ وهي أحدّ من السيف .
فالأول من الصراطين في كلام الإمام عليه السلام إشارة إلى هذين ، فللصراط
هامش
( 1 ) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري : 44 .
معاني الأخبار : باب معنى الصراط ، 33 . عنهما البحار : 24 / 9 - 10 ، ح 1 .
( 2 ) لم أعثر عل نص الحديث . وجاء في تفسير القمي ( قوله تعالىوَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ2 / 452 ) : « ثم يوضع عليها الصراط ، أدقّ من حد السيف . . . » . عنه البحار : 8 / 293 ، ح 36 ، بهذا اللفظ . وحكاه أيضا في البحار ( 8 / 65 ، ح 2 ) بلفظ : « ثم يوضع عليها الصراط أدقّ من الشعرة ، وأحدّ من السيف . . . » . فلعل سبب اختلاف النقلين اختلاف النسخ الموجودة عند التأليف .
( 3 ) راجع مفاتيح الغيب : المفتاح التاسع عشر ، المشهد الحادي عشر : 644 - 645 .
الشواهد الربوبية : المشهد الرابع ، الإشراق الثامن : 290 - 292 .