وأمّا الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق ، أو كان لهم ذلك ولكن ليست لهم داعية الطلب ، بل شغلهم الصناعات والحرف ، وليس فيهم - أيضا - داعية الجدل وتحذلق المتكايسين في الخوض في العلم ، مع قصور فهمهم عنه ، فإنّهم يعالجون بالموعظة وإظهار المعجزات ، ثمّ يحالون على ظواهر الكتاب ، ليس لهم التجاوز عنها إلى أسراره .
والحديد لأهل الجدل والشغب ، الذين
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ
من الكتاب مع عدم أهليّتهم له
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
[ 3 / 7 ] فإنّهم يتلطّف بهم أوّلا ويجادل معهم بالتي هي أحسن ، بأخذ الأصول المسلّمة عندهم واستنتاج الحقّ منها بالميزان القسط ، فإن لم ينفعهم فالحديد الّذي
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
[ 57 / 25 ] .
وإلى الثلاثة - أيضا - الإشارة بقوله - عزّ وجلّ - :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ 16 / 125 ] .
نور [ اتصال النبيّ بالحقّ والخلق ]
قيل « 1 » :
إنّ اللّه - عزّ وجلّ - كما أنّه خلق الخلق ثلاثة أقسام : منهم الملائكة الروحانيّون ، فركّب فيهم العقل دون الشهوة ، ومنهم البهائم ، فركّب فيهم الشهوة دون العقل ، ومنهم الإنسان فركّب فيهم العقل والشهوة ؛ فهكذا خلق الإنسان ثلاثة أقسام :
منهم المستغرقون في معرفة اللّه وملكوته ، المستهترون بذكره ، المتواجدون في عظمته وكبريائه ، الحائرون في أشعّة جماله ؛ وهم الإلهيّون من أولياء اللّه ، المفتّح لهم أبواب الملكوت .
ومنهم المكبّون على الشهوات ، المحتبسون في سجن الدنيا ، المقيّدون بسلاسلها وأغلالها ؛ فهم أهل الدنيا جميعا قد أكبّهم اللّه على مناخرهم في النار ،
هامش
( 1 ) راجع الشواهد الربوبية : المشهد الخامس ، الشاهد الأول ، الإشراق التاسع ، 355 .