تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
لم نحتج إلى جواب هذه الهذيانات . أقول : هذه الشبهة متوقّفة على حكاية قول الفلاسفة في هذا الباب ، فنقول : مذهب أرسطو أنّ النفس حادثة صادرة من العقل الفعّال ، وهو العاشر . وقد تقدّم حكاية قولهم في كيفيّة صدور الموجودات عن البارئ تعالى « 1 » ، بناء منهم على أنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد . وحدوث النفس مشروط باعتدال المزاج ، والمزاج كيفيّة حاصلة من تفاعل العناصر بعضها في بعض ، بأن تفعل كيفيّة أحدهما في مادّة الآخر فتكسر صرافة كيفيّتها . وقال أيضا باستحالة اجتماع نفسين على بدن واحد ، وهو ضروريّ ؛ فإنّ كلّ واحد يجد نفسه واحدة . وأيضا لو اجتمع على بدن واحد نفسان لزم وحدة الاثنين فتكون الذات ذاتين ، وهو محال . إذا تقرّر هذا قالوا : لو وقعت الإعادة - كما ذكرتم من الجمع بعد التفريق - فلا بدّ حينئذ من اعتدال المزاج . وإذا اعتدل المزاج استحقّ فيضان النفس عليه من العقل الفعّال ، وعلى قولكم تعاد إليه نفسه الأولى . فيلزم اجتماع نفسين على بدن واحد ، وهو محال لما تقدّم . والجواب أنّ هذا الكلام كلّه مبنيّ على أنّ البارئ تعالى موجب ، وأنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد ونحن قد بيّنّا من قبل بطلان المسألتين معا ، وأثبتنا الفاعل المختار ، فلا ضرورة لنا إلى جواب هذه الهذيانات .

[ الثواب والعقاب ]

قال : أصل - الثواب والعقاب الموعودان دائمان ، وكلّ من استحقّ الثواب بالإطلاق خلّد في الجنّة ، وكلّ من استحقّ العقاب بالإطلاق خلّد في النار ، وكلّ من لم يستحقّهما كالصّبيان والمجانين والمستضعفين لم يحسن من الكريم المطلق تعذيبهم ، فيدخلون الجنة أيضا . وأمّا من جمع بين الاستحقاقين فإن كان متوعّدا عليه توعّدا مطلقا لا بعينه أمكن بالإمكان العامّ أن يعفو اللّه تعالى عنه بفضله وكرمه ؛ لأنّه وعده به مع حسنه ، وخلف الوعد قبيح . وأيضا الغرض من خلقه إثابته ، فمعاقبته نقض غرضه . وإن لم ينله عفوه ، أو كان متوعّدا عليه بالتعيين ، فإمّا أن يحبط أحد
هامش
( 1 ) - يراجع ص : 78 .
الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 181 | المقداد السيوري