تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
واختلف في وجوبها ، فقال أصحابنا والمعتزلة بذلك « 1 » ، وخالفت الأشاعرة فيه « 2 » . وقد استدلّ المصنّف بوجهين : الأوّل : أنّه لمّا ثبت أنّ أفعاله تعالى معلّلة بالأغراض ، وأنّ الأغراض عائدة إلى عبيده ، وهي منحصرة فيما فيه مصالحهم ودفع مفاسدهم وذلك إمّا في معاشهم أو معادهم . ثمّ تلك المصالح والمفاسد قسمان : أحدهما : ما يستقلّ عقولهم بدركه كوجود الصانع وصفاته وحكمته وحسن بعض الأشياء وقبح بعض . وهذا قد يفتقر فيه إلى التنبيه ؛ لجواز الغفلة واستيلاء الشهوة والغضب وسلطان الهوى ، فينغمر العقل في الملابس البدنيّة فلا يحصل المطلوب . وثانيهما : ما لا يستقلّ ككثير من مصالح المعاش والأغذية والأدوية ، وكالعبادات وكيفيّاتها . وهذا ممّا يفتقر ضرورة إلى التنبيه عليه . والتنبيه في كلا القسمين لطف لهم ، وكلّ لطف واجب . الثاني : أنّه لمّا كان الإنسان بحيث لا يستقلّ وحده بتحصيل مهمّات معاشه ، بل يفتقر إلى مشارك ومعاون في ذلك ، كان الاجتماع والملاقاة والمعاشرة ضروريّة ، فكانت مستلزمة لوقوع معاملة ومعاوضة . ثمّ إنّه لمّا كان سلطان الشهوة والغضب مستوليين على الأشخاص ، ومحبّة كلّ لنفسه بحيث يحبّ الغبن ويكره الانغبان ، أمكن وقوع الشرّ والفساد بسبب ذلك في تلك
هامش
( 1 ) - إنّ أصحابنا الإماميّة لما أثبتوا وجوب اللطف على اللّه تعالى ، وأنّ أفعاله معلّلة بالأغراض ، وأنّ الغرض لا يعود إليه تعالى بل إلى العباد ، قالوا بوجوب بعث الرّسل . واستدلالهم عليه يرجع إلى هذين الأمرين . ينظر : أوائل المقالات للمفيد : 44 ، الذخيرة في علم الكلام : 323 ، الاقتصاد للطوسيّ : 152 - 153 ، نهج المسترشدين : 58 ، كشف المراد : 271 . ووافقنا في ذلك المعتزلة ، فقال القاضي عبد الجبّار : إنّه قد تقرّر في عقل كلّ عاقل وجوب دفع الضرر عن النفس ، وثبت أيضا أنّ ما يدعوا إلى الواجب ويصرف عن القبيح فإنّه واجب ، وما يصرف عن الواجب ويدعوا إلى القبيح فهو قبيح لا محالة ، ولم يكن في قوّة العقل ما يعرف به ذلك ، ولا يتمّ هذا المعنى إلّا بالرسل من عند اللّه تعالى . شرح الأصول الخمسة : 564 ، شرح العقائد النسفيّة : 165 ، مذاهب الإسلاميّين 1 : 48 . ( 2 ) - إنّ الأشاعرة خالفت الإماميّة والمعتزلة في وجوب البعثة على اللّه ؛ لأجل أنّ أفعاله تعالى عندهم غير معلّلة بالعلل والأغراض . ولذلك عبّروا في تعابيرهم بجواز إرسال الرسل . قال الآمديّ : مذهب أهل الحقّ أنّ النبوّات ليست واجبة أن تكون ولا ممتنعة أن تكون ، بل الكون وأن لاكون بالنسبة إلى ذاتها وإلى مرجّحها سيّان . وقد صرّح الباقلانيّ بأنّه يجوز للّه تعالى إرسال الرسل وبعث الأنبياء . غاية المرام في علم الكلام للآمديّ : 318 ، الإنصاف للباقلانيّ : 92 .