تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وقابل بعين النّفس مرآة عقلها * فتلك حياة النفس بعد مماتها
وإزالة الموانع الدنيويّة عن خاطره ، والمعين على ذلك أيضا هو إضعاف قواه الشهوانيّة والغضبيّة بإضعاف حواسّه بتقليل الأغذية والتنوّق فيها ، فإنّ لذلك أثرا عظيما في حصول الكمال ، والتأهّل لخدمة حضرة ذي الجلال ، كما قال فيثاغورس « 1 » : عودوا أنفسكم الشيء الطفيف « 2 » ؛ فإنّه أقلّ لاحتياجكم وأشبه بكم بالمبدأ الأوّل ، فإنّه غير محتاج . ثمّ الغرض من الرياضة أمور ثلاثة : أوّلها : إزالة الموانع عن الوصول إلى الحقّ ، وهي الشواغل الظاهرة والباطنة . وثانيها : جعل النفس الحيوانيّة مطاوعة للعقل العمليّ ، الباعث على طلب الكمال . وثالثها : جعل النفس مستعدّة لقبول فيض الحقّ لتصل إلى كمالها الممكن لها .

[ المحاسبة ]

الخامس : المحاسبة . وهي أن ينسب السالك طاعاته إلى معاصيه ليعلم أيّهما أكثر ، فإن فضّلت طاعاته نسب قدر الفاضل إلى نعم اللّه تعالى عليه التي هي وجوده ، والحكم المودعة في خلقته ، والفوائد التي أظهرها في قواه ، ودقائق الصنع التي أوجدها في نفسه ، التي هي تدرك العلوم والمعقولات فإذا نسب فضل طاعته إلى هذه النعم التي لا تحصى كما قال سبحانه :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
« 3 » ، ووازنها . . . وقف على تقصيره وتحقّقه . فإن ساوت طاعاته معاصيه تحقّق أنّه ما قام بشيء من وظائف العبوديّة ، وكان تقصيره أظهر له . وإن فضلت معاصيه فويل ثمّ ويل . فإذا عمل السالك ذلك مع نفسه لم يصدر منه غير الطاعة ، وعدّ نفسه مقصّرا دائما . وإذا لم يفعل ذلك وقع في العذاب الأبديّ والخسران السرمديّ . ويتبع المحاسبة المذكورة المراقبة ، وهي أن يحفظ ظاهره وباطنه لئلّا يصدر عنه شيء يبطل به حسناته التي عملها ، وذلك أن يلاحظ أحوال نفسه
هامش
( 1 ) - فيثاغورس بن منسارخس من أهل ساميا . وكان في زمان سليمان النبيّ عليه السّلام ، قد أخذ الحكمة من معدن النبوّة ، وهو الحكيم الفاضل ذو الرأي المتين والعقل الرصين ، يدّعي أنّه شاهد العوالم العلويّة بحسّه وحدسه . وهو أوّل من نطق في الأعداد والحساب والهندسة ، إليه يعزى تقويم الحساب المعروف ب « جدول فيثاغورس » في الضرب . تاريخ اليعقوبي 1 : 119 ، الملل والنحل 2 : 78 ، تاريخ الحكماء للقفطي : 355 . ( 2 ) - الطفيف : مثل القليل وزنا ومعنى . المصباح المنير : 374 . ( 3 ) - إبراهيم / 34 .
الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 109 | المقداد السيوري