تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

فصل في ذكر الأجوبة عن آيات يحتجون بها ، وأخبار ، وشبه في نفي الرؤية .

فإن احتجوا بقوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
[ الأنعام : 103 ] قالوا : فأخرج ذلك مخرج التمدح ، كما تمدح بقوله تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
[ الأنعام : 101 ] فكيف يجوز أن يزول عن مدحته ، فالجواب عن هذه الآية من وجوه عدة : أحدها : أن يقال لهم : ما أنكرتم على قائل يقول لكم ، لا حجة لكم في ذلك ، لأن التمدح إنما وقع في قوله تعالى :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
[ الأنعام : 103 ] لأن كون الشيء لا يدرك بالأبصار لا يدل على مدحه ، ألا ترى المعدوم لا تدركه الأبصار ، ولا يوجب كون ذلك مدحة له ، وكذلك عندكم العطور والروائح وأكثر الأعراض لا تدرك بالأبصار ، وليست بممدوحة ، لأنها لا تدركها الأبصار . فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون متمدحا بأنه يدرك الأبصار وأنها لا تدركه ؟ قيل لهم : لأن للوصفين الذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل واحد منهما مدح بمجرده نحو قوله تعالى :
عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ البقرة : 209 ، 220 ، 228 ، 240 ، 260 ، الأنفال : 10 ، 49 ، التوبة : 71 ] و
عَلِيمٌ قَدِيرٌ
[ النّحل : 70 ] فكل واحد من الوصفين مدح في نفسه ، تجدد أو انضم إلى غيره ، ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك بالبصر مدحا له عندنا وعندكم بطل ما قلتم . جواب آخر : وهو أن نقول الآية حجة عليكم وذلك قوله :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
[ الأنعام : 103 ] فحسب ، وإنما أراد أنه يدرك جميع المرئيات ، فأثبت تعالى أنه يرى الأشياء لأنه موجود ، قادر على الرؤية ، وسائر الأشياء الموجودة التي يجوز أن ترى ، لكن تمدح تعالى بأن كل راء يجوز أن يرى ، لكن هو تعالى مع جواز رؤيته منعنا من الإدراك له ، بأن يحدث في أبصارنا مانعا يمنعنا من رؤيته ؛ فالمدح وقع بكونه قادرا على ذلك دون غيره من الخلق ، فصار هذا بمنزلة تمدحه تعالى بكونه محييا مميتا ، أي لا يقدر على ذلك غيره ، وإن جاز أن يميت الحي ويحيي الميت ، فكذلك لا يمدح تعالى بأن يحدث مانعا في البصر من الإدراك ، وإن جاز أن يزيل ذلك المانع حتى نراه تعالى بلا كيف ، ولا شبه ، ولا تحديد . فاعلم ذلك . جواب آخر : وهو أن المعتزلة لا يصح لهم الاحتجاج بهذه الآية ؛ لأن عند البصريين منهم أنه لم يعن بالإدراك الرؤية ، لأن البصر عندهم عرض ؛ فلا يدرك عند