فالجواب : أن هذا تعلل لا ينفعكم ولا ينجيكم مما قررنا وحققنا في اعتقاد موسى عليه السلام جواز الرؤية ؛ وذلك : أن موسى عليه السلام لو كان يعتقد استحالة جواز الرؤية لكان قد أنكر عليهم ذلك أشد الإنكار وجهلهم بذلك غاية الجهل . ولم يساعدهم على ذلك . ولا سأل ما جهلهم عليه ، ولما ساعدهم كما فعل لما قالوا :
يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ الأعراف : 138 ] ولم يسأل ربه أن يجعل لهم إلها ، لأنه علم عليه السلام استحالة ذلك . فكيف يسأل له أو لهم الرؤية مع اعتقاده استحالة ذلك عليه سبحانه وتعالى ، فلم يبق إلا ما قلناه .
جواب آخر : وذلك أن هذا عدول عن الظاهر إلى غيره بغير دليل ، لأنه قال :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] فلا يحمل أرني أنظر ، على قومي ينظرون إليك ، فبطل ما قالوه ، وصار هذه بمنزلة قول من قول : قوله أي
أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
[ طه : 14 ] أي اعبد غيري ، وهذا لا يجوز ، فبطل قولهم .
فإن قيل : أليس قد قال اللّه تعالى :
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] فنص على أنه لا سبيل إلى ما سأله فالجواب من وجهين :
أحدهما : أن هذا لا يمنع من جواز الرؤية ، لأن قوله لن تراني إنما تضمن عدم وجود الرؤية عند السؤال ، لا استحالة الرؤية على ما قررنا ، ولو أراد استحالة الرؤية لقال : لن يجوز أن تراني . وقد لا يوجد الشيء ولا يدل على استحالته ، ألا ترى أن أحدا لو سأل نبي زمانه أن يسأل ربه أن يرزقه ولدا ، فسأل نبي ذلك الزمان ، فأوحى اللّه تعالى لن يرزق هذا السائل ولدا ، هل يدل ذلك على أنه لا يجوز وجود الولد في حق هذا السائل ، ويستحيل ، بل هو جائز وإن منع من وجوده عقب السؤال ، على أن حرف لن لا يقتضي عدم جواز الرؤية في الدنيا والآخرة . ولو قرن بأبد . ألا ترى أنه تعالى قال في حق اليهود :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 95 ] يعني الموت ولم يقتض ذلك [ أن لا يتمنوه ] في الدنيا والآخرة ، لأنه أخبر تعالى أنهم يتمنون الموت في النار بقوله :
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
[ الزّخرف : 77 ] يعنون الموت ، فإذا كان حرف لن مع اقتران أبد به لا يقتضي نفي ذلك في الدنيا والآخرة ، فكيف به إذا لم يقرن به أبد ، وأيضا الجواب يجوز فيه الاستثناء ، بأن كان يقول : لن تراني في الدنيا ولن تراني إلى وقت كذا وكذا ، كما قال أخو يوسف عليه السلام :
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
[ يوسف : 80 ] ثم استثنى
حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي
[ يوسف : 80 ] فصحّ أن حرف لن لا يحيل عليه جواز الرؤية ، وإنما توجب أن لا توجد الرؤية في هذا الوقت دون جوازها فصحّ ما قلناه .