تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
عندهم في أن يقال تال أو متكلم . قالوا : والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
[ البقرة : 252 ] وبقوله تعالى :
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ
[ القصص : 3 ] . قالوا : فسمّى نفسه تاليا كما سمّى نفسه متكلما وقائلا ، والجواب عن هذا وما جرى مجراه من وجهين : أحدهما : أنا نقول ما أنكرتم أن ما ذكرتم هو حجة عليكم ، وأن هاتين الآيتين قد دلتا على الفرق بين التلاوة والمتلو ، وأن التلاوة غير المتلو وذلك أنه قال :
نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
[ البقرة : 252 ] والحق هاهنا هو كلامه القديم الموجود بوجوده القديم بقدمه ، والتلاوة لم تكن موجودة ثم أوجدها ؛ والدليل على أن الحق هو كلامه القديم الموجود بوجوده قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 )
[ السّجدة : 3 ] وأيضا قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ
[ سبإ : 23 ] فدلّ على أن الحق هو المتلو القديم ، وأن التلاوة صفة لا فعل ذات . والذي يحقق ذلك قوله تعالى ، قال :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا
[ العنكبوت : 48 ] فنفى قبل أن يكون تاليا ، ثم أحدث له تلاوة ولم تكن ثم كانت ، فالحق الذي هو المتلو موجود ثابت لا يتصف بأنه لم يكن ثم كان . والجواب الثاني : أن قوله « نتلو » يريد به بأمر من يتلو عليك ، وهو جبريل عليه السلام . إلا أن التلاوة لما كانت بأمره أضافها إلى نفسه ، وهذا صحيح ، يدل عليه الكتاب والمعنى الصحيح . فأما الكتاب ، فالدليل عليه قوله تعالى :
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
[ آل عمران : 101 ] وقوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 )
[ الشّعراء : 193 - 195 ] وصار هذا كقوله في قوم نوح :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 )
[ الحاقّة : 11 ] يعني السفينة ، فأضاف الحمل في السفينة إلى نفسه ، والحامل فيها نوح عليه السلام ، إلا أنه لما كان بأمره أضاف الحمل إليه ، والدليل على الحامل أنه كان نوحا عليه السلام ، قوله تعالى :
قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
[ هود : 40 ] وهذا أيضا كقوله تعالى في قصة مريم عليها السلام :
فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا
[ الأنبياء : 91 ] والنافخ كان جبريل عليه السلام إلا أنه لما كان نفخه بأمره أضاف ذلك إلى نفسه فلذلك أضاف التلاوة إلى نفسه لما فعلت بأمره . وكذلك قوله تعالى :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ
[ النّحل : 26 ] وجبريل عليه السلام الذي كان أتى البنيان ، لكن لما كان بأمره أضافه إلى نفسه