وما لا يتأتى الواجب إلا بفعله صار واجبا ؛ كالطهارة مع الصلاة ، والقراءة في الصلاة ، وإمساك جزء من الليل في الصيام ، وإدخال جزء من الرأس في غسل الوجه ، إلى غير ذلك مما لا يمكن تحصيل الواجب إلا به صار واجبا .
مسألة
وإذا صحّ وجوب النظر فالواجب على المكلف النظر والتفكر في مخلوقات اللّه ، لا في ذات اللّه ، والدليل عليه قوله تعالى :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ آل عمران : 191 ] ولم يقل : في الخالق ، وأيضا قوله تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 )
[ الغاشية : 17 ] فالنظر ، والتفكر ، والتكييف يكون في المخلوقات ، لا في الخالق ، وأيضا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في اللّه » « 1 » وأيضا قوله عليه السلام : « مثل الناظر في [ قدر ] « 2 » اللّه كالناظر في عين الشمس ، فمهما ازداد نظرا ازداد حيرة » . وأيضا : فإن موسى عليه السلام لما سأله اللعين فرعون عن ذات اللّه ، أجابه بأن مصنوعاته تدل على أنه إله ورب قادر ، لا إله سواه . إذا نظر فيها وتأمل ولم يحدد له الذات فلا يكفيها ؛ لأنه لما قال له :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشّعراء : 23 ] قال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
[ مريم : 65 ] إلى أن كرر عليه السؤال وأجابه بمثل الأول ، إلى آخر الآيات ( 25 - 26 و 28 ) كلها ، فمهما سأله عن الذات أجابه بالنظر في المصنوعات التي تدل على معرفته .
وقيل : سئل بعض أهل التحقيق عن اللّه عزّ وجل ما هو ؟ فقال : إله واحد .
فقيل له : كيف هو ؟ فقال : ملك قادر ، فقيل له : أين هو ؟ فقال : بالمرصاد . فقال السائل : ليس عن هذا أسألك ؟ فقال : الذي أجبتك به هو صفة الحق ، فأما غيره فصفة الخلق . وأراد بذلك أن يسأله عن التكييف ، والتحديد ، والتمثيل ، وذلك صفة المخلوق لا صفة الخالق ، ولأن المتفكر إذا تفكر في خلق السماوات والأرض وخلق نفسه وعجائب صنع ربه ، أدّاه ذلك إلى صريح التوحيد ؛ لأنه يعلم بذلك أنه لا بد لهذه المصنوعات من صانع ، قادر ، عليم ، حكيم
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشّورى : 11 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية واللالكائي في شرح السنة بألفاظ متقاربة في المعنى ( ز ) .
( 2 ) هكذا في الأثر ولم نجده مرفوعا فإذا كان النظر في قدر اللّه موجبا للحيرة فبالحري كون النظر في اللّه موجبا للحيرة ممنوعا ( ز ) .