التزم فعله ، لان ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فليس من الحكمة ترك المطر الذي به حياة العالم ، لئلا ينهدم دور معدودة ، أو لا يتألم به سائح في البر والبحر انتهى .
وجعل هؤلاء الفلاسفة على ما نقل عنهم شارح المقاصد القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الابداع ، والقدر عبارة عن وجودها في مواردها الخارجية مفصلة ، واحدا بعد واحد ، لما قال اللّه عز وجل
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ »
« 1 » وقد ذكرنا ما فيه ، وان كان لا مانع لنا من ذلك ، الا أنه لم يقم عليه دليل .
والذي دل عليه الدليل هو ما في أخبارنا من طرقنا هذا في أفعال اللّه تعالى ، وان اعتبرا بالنسبة إلى أفعال العباد ، فمعنى القضاء والقدر على ما قاله جماعة الامر والنهي ، وبعبارة أخرى : التكاليف الشرعية بقوله تعالى
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ »
« 2 » والاعلام والتبيين ، لقوله تعالى
« وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ »
« 3 » أو القضاء ذلك والقدر الاعلام والتبيين لمقادير الأمثال من حسنها وقبحها وحرامها ومباحها كما قاله ، أي قال الأخير في إحقاق الحق ولا محضور فيه أيضا من هذه الجهة .
وثانيهما : من جهة لزوم الجبر ورفع الاختيار إذا كان وقوع الافعال في العالم بقضاء اللّه وقدره ، وقد اعترض شيخ على أمير المؤمنين عليه السّلام فأجابه ، ورواه العامة والخاصة في كتبهم ، الا أن العامة رووه عن الأصبغ ، والأولى ذكر هذا الخبر الوارد في هذا الباب ونكتفي به ، فان للبيان مقاما آخر .
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 21 .
( 2 ) سورة الإسراء : 23 .
( 3 ) سورة الإسراء : 4 .