وهذه الأمور الأربعة كان النبي يمارسها ويملأ بشخصيته الرسالية ثغراتها .
ولأجل جلاء الموقف نوضح كل واحد من هذه الأمور .
أمّا الأمر الأول : فيكفي فيه قوله سبحانه :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
« 1 » . فقد وصف النبي في هذه الآية بأنّه مبيّن لما في الكتاب ، لا مجرّد تال له فقط .
وقوله سبحانه :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 2 » فكان النبي يتولى بيان مجمله ومطلقه ومقيّده ، بقدر ما تتطلبه ظروفه .
والقرآن الكريم ليس كتابا عاديا ، على نسق واحد ، حتى يستغني عن بيان النبي ، بل فيه المحكم والمتشابه ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيّد ، والمنسوخ والناسخ ، يقول الإمام علي عليه السلام : « وخلّف ( النبي صلى اللّه عليه وآله ) فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها : كتاب ربّكم فيكم ، مبيّنا حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصّه وعامّة ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه ومتشابهه ، مفسرا مجمله ، ومبيّنا غوامضه » « 3 » .
وأمّا الأمر الثاني : فهو بغنى عن التوضيح ، فإنّ الأحكام الشرعية وصلت إلى الأمّة عن طريق النبي ، سواء أكانت من جانب الكتاب أو من طريق السنّة .
وأمّا الأمر الثالث : فبيانه أنّ الإسلام قد تعرض ، منذ ظهوره ، لأعنف الحملات التشكيكية ، وكانت تتناول توحيده ورسالته وإمكان المعاد ، وحشر الإنسان ، وغير ذلك . وهذا هو النبي الأكرم ، عندما قدم عليه جماعة من كبار النصارى لمناظرته ، استدلّوا لاعتقادهم بنبوة المسيح ، بتولده من غير أب ، فأجاب النبي بوحي من اللّه سبحانه ، بأنّ أمر المسيح ليس أغرب من أمر آدم
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 44 .
( 2 ) سورة القيامة : الآيات 16 - 19 .
( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة 1 .