تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وتقلّباتها من صورة النقص إلى صورة أكمل ، ومن حال أدون إلى حال أعلى ، فالغرض من ذكرها ، إثبات أنّ لهذه الأطوار والتحولات غاية أخيرة ، فللإنسان توجّه طبيعي نحو الكمال ، ودين إلهي فطري في التقرّب إلى المبدأ الفعّال ، والكمال اللائق بحال الإنسان المخلوق أوّلا من هذه الطبيعة ، وإلّا كان لا يوجد في هذا العالم الأدنى ، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعي ، وفيها الغاية والمنتهى ، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية ، من الجمادية والنباتية ، والحيوانية ، وبلغ أشدّه الصوري ، وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني ، فلا بدّ أن يتوجه نحو النشأة الآخرة ، ويخرج من القوة إلى الفعل ، ومن الدنيا إلى الأخرى ، ثم المولى ، وهو غاية الغايات ، ومنتهى الأشواق والحركات « 1 » . وفي الآيات الكريمات إشارات إلى هذا البرهان ، يفهمها الراسخون في الذكر الحكيم . يقول سبحانه :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
« 2 » . وأنت إذا لاحظت هذه الآيات وما تقدمها ممّا يتكفل ببيان خلقة الإنسان ، ترى لها انسجاما وترابطا خاصّا ، فاللّه سبحانه يصف الإنسان بأنّه كان نطفة فعلقة فمضغة ، إلى أن أنشأه خلقا آخر ، ثم يوافيه الموت ، ثم يبعث يوم القيامة ، فكأنّ الآية تبيّن تطور الإنسان تدريجا من النقص إلى الكمال ، ومن القوة إلى الفعل ، وأنّه منذ تكوّن يسير في مدارج الكمال ، إلى نهاية المطاف وهو البعث يوم القيامة ، فهذا غاية الغايات ، ومنتهى الكمال . ويمكن استظهار ذلك من قوله سبحانه :
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
« 3 » ، بالبيان الماضي في الآية السابقة .
هامش
( 1 ) الأسفار ، ج 9 ، ص 159 . ( 2 ) سورة المؤمنون : الآيات 14 - 16 . ( 3 ) سورة النجم : الآيات 45 - 47 .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 177 | الشيخ جعفر السبحاني