تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣

الجهة الرابعة هل الإعجاز يضعضع برهان النظم ؟

إنّ برهان النّظم من أوضح الأدلة على أنّ العالم مخلوق لصانع عالم قادر . حيث إنّ النظام الدقيق السائد على كل ظاهرة وجزء من ظواهر الكون وأجزائه كاشف عن دخالة قدرة كبرى وعلم عظيم في تحققه وتكوّنه . هذا من جانب . ومن جانب آخر ، إنّ المعجزات - كما تقدّم - خارقة للعادة والسنن السائدة في هذا النظام ، فهي تعدّ استثناء فيه ونوع مخالفة له . فالوليد الإنساني - مثلا - يتكوّن بعد التقاء نطفة الرجل وبويضة المرأة ، فتتشكل منهما الخلية الإنسانية ، ثم تمرّ بعد ذلك بمراحل التفاعل والتكامل ، ليخرج بعدها من بطن الأم موجودا سويّا متكاملا . والقول بأنّ المسيح - عليه السلام - ولد بلا سيادة هذا النظام ، بل بمجرد نفخ الملك في رحم مريم - عليها السلام خرق لذاك النظام ، وهو كاشف عن عدم كليته واطراده . أفبعد ذلك يمكن أن يستدلّ ببرهان النظم على وجود الصانع ؟ . وبعبارة ثانية : إنّ النظم السائد على العالم كاشف عن دخالة المحاسبة والتقدير في تكوّن كل شيء إنسانا كان أو حيوانا ، أرضيا كان أو أثيريا . ولكن خلق الثعبان فجأة من الخشب اليابس ، وخروج الناقة من الجبل الصخري الأصم ، وما شابه ذلك ، ينفي وجود المحاسبة في تكوّن تلك الظواهر .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 83 | الشيخ جعفر السبحاني