تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وإجابة دعوة الأنبياء ، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء والضراء ، لعلهم يضرعون ويبتهلون إلى اللّه تعالى « 1 » . ولأجل ذلك نشهد أن الأنبياء لم يكتفوا بإقامة الحجة والبرهان ، والإتيان بالمعاجز ، بل كانوا - مضافا إلى ذلك - مبشرين ومنذرين . وكان الترغيب والترهيب من شؤون رسالتهم ، قال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
« 2 » . والإنذار والتبشير دخيلان في رغبة الناس بالطاعة وابتعادهم عن المعصية . وفي كلام الإمام علي عليه السلام إشارة إلى هذا ، قال عليه السلام : « أيها الناس ، إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة ، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرّفهم ما لهم وما عليهم ، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي « 3 » . والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد الوعيد ، والوعد لا يكون إلا بالترغيب ، والوعيد لا يكون إلا بالترهيب ، والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم ، والترهيب لا يكون إلا بضد ذلك . . . الخ » « 4 » . وقوله عليه السلام : « والأمر والنهي لا يجتمعان إلّا بالوعد والوعيد » ، إشارة إلى أنّ امتثال الأمر والنهي ونفوذهما في نفوس الناس يتوقف على الثواب والعقاب ، فلولاهما لما كان هناك حركة إيجابية نحو التكليف إلّا من العارفين الذين يعبدون اللّه تعالى لا رغبة ولا رهبة ، بل لكونه مستحقا للعبادة . فتحصّل من ذلك أنّ ما هو دخيل في تحقق الرغبة بالطاعة ، والابتعاد عن المعصية ، في نفوس الأكثرية الساحقة من البشر ، يجب على اللّه سبحانه القيام به صونا للتكليف عن اللغو ، وبالتالي صونا للخلقة عن العبث .
هامش
( 1 ) لاحظ الإلهيات ، ج 1 ، بحث البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيما ، ص 273 - 286 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 165 . ( 3 ) هذا إشارة إلى اللطف المحصل . ( 4 ) بحار الأنوار ، ج 5 ، كتاب العدل والمعاد ، الباب الخامس عشر ، الحديث 13 ، ص 316 .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 54 | الشيخ جعفر السبحاني